في الوقت الذي تستمر فيه معاناة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين والعراقيين، الذين نزحوا إلى التراب الأوروبي هرباً من الحرب الدامية الدائرة في العراق وسوريا، وأمام إغلاق عدد من الدول الأوربية حدودها أمامهم، خرج تنظيم "الدولة الإسلامية"، الشهير إعلاميا بـ"داعش"، ليعتبر أن تدفق تلك الأعداد الكبيرة إلى ما وصفها بـ"دول الكفر" فتنة، داعيا، على لسان مقاتليه، اللاجئين إلى العودة و"الموت فوق أرض الإسلام".

وكثف "داعش" في الأيام الأخيرة من إصداراته الإعلامية التي تحذر السوريين والعراقيين من الهجرة إلى أوربا، حيث لجأت آلته الإعلامية إلى استغلال جنسيات مقاتليه من مختلف الدول، ضمنهم مغاربة، ليقدموا مواقفهم من اللجوء والتحريض على البقاء والموت في الأراضي السورية والعراقية، فيما عمد عدد منهم إلى الاستهزاء بمعاناة اللاجئين ونعتهم بأنهم "ضعفاء نفوس" و"جهلة لا يدركون الحقيقة".

أحد الأشرطة استُهلّ بتقديم تجمع لمقاتلي "داعش" يتوسطهم أشهر رموز القتال الميداني لدى التنظيم، عبد العزيز المحدالي، الذي اشتهر بلقب "أبو أسامة المغربي" وتبوأ مناصب قيادية هامة في تنظيم أبي بكر البغدادي، قبل أن يقضى عليه قبل عام في ريف حلب على يد مقاتلي جبهة النصرة، حيث ظهر في الشريط وهو يتلوا آيات من القرآن الكريم وخلفه العلم الأسود الذي ظل لصيقا بـ"داعش".

وفيما استغلّ التّنظيم الآية القرآنية "يستبدل قوما غيركم" لإطلاقها على اللاجئين، أظهرت أشرطة الفيديو المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي صورا ولقطات تبين تعامل شرطة دول أوروبية في المجر وكرواتيا بشكل مسيء مع النازحين، مقابل لقطات أخرى لمقاتلين، ضمنهم قاصرون، يحملون السلاح، وهي اللقطات المتناقضة التي صاحبتها عبارات تقول إن "الهجرة إلى دار الكفر من دار الإسلام فتنة أشد من القتل".

المصادر المرئية ذاتها تعتبر أن الدافع وراء نزوح مئات الآلاف من السوريين صوب القارة الأوربية لم يأت بداعي جرائم القتل التي تنفذ على يد قوات النظام السوري ولا حتى مقاتلي "داعش"، بل عمد العديد ممن تحدثوا أمام كاميرات "الدولة الإسلامية" إلى تبرير ذلك بأن الدول الأوربية فتحت لهم الأبواب "ليفتنوهم في دينهم، ويصنعوا منهم جيشا وطنيا يعود مقاتلة الموحدين"، وفق تعبيرهم.

وأضاف أحدهم قائلا إن اللاجئين السوريين" سيتعرضون للشرك والردة عن الإسلام في الدول الأوربية". ومقاتل آخر "نصح" النازحين بالعودة والموت فوق التراب السوري لاعتباره ذلك "أحسن من البقاء على قيد الحياة في بلاد الكفار"، فيما أشار ثالث إلى أن الدول الأوروبية "لا تريد الخير للسوريين (...) إنها حرب عقائدية"، محملا النظام السوري مسؤولية تهجير السوريين، بسبب البراميل القاتلة "التي تقتل الأطفال والنساء".

في جانب آخر، قالت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"، إن تركيا ودولا أخرى، هي الأردن والسعودية ولبنان ومصر والإمارات والعراق والمغرب، استقبلت أكثر من أربعة ملايين ونصف مليون لاجئ سوري، حيث أشادت بـ"احتضان هذه الدول للاجئين السوريين الفارين من جحيم النظام السوري المدعوم من قبل قوى إقليمية ودولية"، مقابل استنكارها "المواقف العنصرية واللا إنسانية" التي اتخذتها دول غربية "تجاه معاناة الشعب السوري".

Author Image

Richard

باحث وناقد في الإسلام وكتبه .

أضف تعليق: