محمد يقتل كنانة بن الربيع زوج صفية بنت حيي و أبوها و عمها و كل قومها


قال ابن إسحاق : ولما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القموص ، حصن بني أبي الحقيق أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصفية بنت حيي بن أخطب ، وبأخرى معها ، فمر بهما بلال وهو الذي جاء بهما على قتلى من قتلى يهود فلما رأتهم التي مع صفية صاحت . وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها ; فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أعزبوا عني هذه الشيطانة وأمر بصفية فحيزت خلفه . وألقى عليها رداءه فعرف المسلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اصطفاها لنفسه.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبلال فيما بلغني ، حين رأى بتلك اليهودية ما رأى : (أنزعت منك الرحمة يا بلال ، حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما) ؟ وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرا وقع حجرها . فعرضت رؤياها على زوجها ؟ فقال ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا ، فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها . فأتي بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبها أثر منه فسألها ما هو ؟ فأخبرته هذا الخبر .

وأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكنانة بن الربيع وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه . فجحد أن يكون يعرف مكانه فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من يهود فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكنانة أرأيت إن وجدناه عندك ، أأقتلك قال نعم .

فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله عما بقي فأبى أن يؤديه فأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزبير بن العوام ، فقال عذبه حتى تستأصل ما عنده فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة .


السيرة النبوية لابن هشام ، باب ذكر المسير إلى خيبر (في المحرم سنة سبع)



عن بن عباس قال لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على خيبر صالحهم على أن يخرجوا بأنفسهم وأهليهم ليس لهم بيضاء ولا صفراء فأتي بكنانة والربيع وكان كنانة زوج صفية والربيع أخوه وابن عمه فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أين آنيتكما التي كنتما تعيرانها أهل مكة قالا هربنا فلم تزل تضعنا أرض وترفعنا أخرى فذهبنا فأنفقنا كل شيء فقال لهما إنكما إن كتمتماني شيئا فاطلعت عليه استحللت به دماءكما وذراريكما فقالا نعم فدعا رجلا من الأنصار فقال اذهب إلى قراح كذا وكذا ثم ائت النخل فانظر نخلة عن يمينك أو عن يسارك فانظر نخلة مرفوعة فأتني بما فيها قال فانطلق فجاءه بالآنية والأموال فضرب أعناقهما وسبى أهليهما وأرسل رجلا فجاء بصفية فمر بها على مصرعهما فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم لم فعلت فقال أحببت يا رسول الله أن أغيظها قال فدفعها إلى بلال وإلى رجل من الأنصار فكانت عنده

الطبقات الكبرى لإبن سعد ، باب غزوة رسول الله صلى الله عليه و سلم خيبر



قال وفى رواية أنه صلى الله عليه وسلم أتى بكنانة وهو زوج صفية تزوجها بعد أن طلقها سلام بن مشكم وبالربيع أخوة فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أين آنيتكما التى كنتم تعيرونها أهل مكة أى لأن اعيان مكة إذا كان لأحدهم عرس يرسلون فيستعيرون من ذلك الحلى انتهى أى والآنية والكنز عبارة عن حلى كان أولا فى جلد شاة ثم كان لكثرته فى جلد ثور ثم كان لكثرته فى جلد بعير كما تقدم فقالا أذهبته النفقات والحروب فقال صلى الله عليه وسلم العهد قريب والمال أكثر من ذلك إنكما إن كتمتمانى شيئا فاطلعت عليه استحللت دماءكما وذراريكما فقالا نعم فأخبره الله بموضع ذلك الحلى أى فإنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل من الأنصار اذهب إلى محل كذا وكذا ثم ائت النخل فانظر نخلة عن يمينك أو قال عن يسارك مرفوعة فائتنى بما فيها فانطلق فجاءه بالآنية
ويمكن الجمع بين هذا وما تقدم وما يأتى أنهم فتشوا عليه فى خربة حتى وجدوه بان التفتيش كان فى أول الأمر وإعلام الله تعالى له بذلك كان بعد فجىء به فقوم بعشرة آلاف دينار أى لأنه وجد فيه أساور ودمالج وخلاخيل وأقرطة وخواتيم الذهب وعقود الجوهر والزمرد وعقود أظفار مجزع بالذهب فضرب أعناقهما وسبى أهلهما

أى وفى لفظ آخر لما فتحت خيبر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع وفى لفظ ابن ربيعة بن أبى الحقيق وكان عنده كنز بنى النضير فسأله عنه فجحد أن يكون يعلم مكانه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فقال إنى رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة أى فإن كنانة حين راى النبى صلى الله عليه وسلم فتح حصن النطاة وتيقن ظهوره عليهم دفنه فى خربة

أى وفيه أن هذا لا يناسب ماسبق من أن حييا كان يطيف بتلك الخربة إلا أن يقال جاز أن يكون دفنه فى تلك الخربة فى محل آخر غير الذى دفنه فيه حيى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة أرأيت إن وجدته عندك أقتلك قال نعم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله ما بقى فأبى أن يؤديه فأمر به الزبير رضى الله تعالى عنه فقال عذبه حتى نستأصل ما عنده فكان الزبير رضى الله تعالى عنه يقدح بزند أى بالزناد الذى يستحرج به النار على صدره حتى أشرف على نفسه

وأخذ منه جواز العقوبة لمن يتهم ليقر بالحق فهو من السياسة الشرعية ثم دفعه صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة رضى الله تعالى عنه فضرب عنقه باخيه محمود أى ولا مانع أن يكون السؤال وتعذيب الزبير وقع لسعيه وكنانة أيضا

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم أى التى غنمت قبل الصلح فجمعت وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا منها صفية رضى الله تعالى عنها بنت حيى ابن أخطب من سبط هرون بن عمران أخى موسى عليهما الصلاة والسلام فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه وجعلها عند أم سليم التى هى أم أنس خادمه صلى الله عليه وسلم حتى اهتدت وأسلمت ثم اعتقها صلى الله عليه وسلم وتزوجها وجعل عتقها صداقها أى أعتقها بلا عوض وتزوجها بلا مهر لا فى الحال ولا فى المآل أى لم يجعل لها شيئا غير العتق.

وقد سئل أنس رضى الله تعالى عنه عن صفية فقيل له يا أبا حمزة ما أصدقها قال نفسها أعتقها وتزوجها وهذا يرد ما استدل به بعض فقهائنا على أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم جواز نكاح الأمة الكتابية وجواز وطئها بملك اليمين من أنه صلى الله عليه وسلم كان يطأ صفية قبل إسلامها بملك اليمن

ويرد أيضا على من استدل من فقائنا على استحباب الوليمة للسرية بأنه صلى الله عليه وسلم لما أولم على صفية رضي الله تعالى عنها قالوا إن لم يحجبها فهي أم ولد وإن حجبها فهي امرأته وذلك دليل على على استحباب الوليمة للسرية إذ لو اختصت بالزوجة لم يترددوا في كونها زوجة أو سرية وذلك بعد أن خيرها صلى الله عليه وسلم بين أن يعتقها فارجع إلى من بقى من أهلها أو تسلم فيتخذها لنفسه فقالت أختار الله ورسوله
وذكر فى الأصل أن جعل عتق الأمة صداقها من خصائصه صلى الله عليه وسلم وقد ذكره الجلال السيوطى فى الخصائص الصغرى وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى عدم الخصوصية وقال ابن حبان لم ينقل دليل على أنه خاص به صلى الله عليه وسلم دون أمته

وقيل إن دحية الكلى رضى الله تعالى عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية فوهبها له وقيل وقعت فى سهمه رضى الله تعالى عنه ثم ابتاعها صلى الله عليه وسلم منه بتسعة أرؤس أى وإطلاق الشراء فى ذلك على سبيل المجاز على أنه يخالف ما تقدم أنها من صفية صلى الله عليه وسلم قبل القسمة

وفى البخارى فجمع السبى فجاء دحية رضى الله تعالى عنه فقال يا نبى الله أعطنى جارية من السبى فقال اذهب فخذ جارية فاخذ صفية بنت حيى فجاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم عليه وسلم فقال يا رسول الله أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنظير لا تصلح إلا لك فقال ادعوه بها فجاء بها فلما نظر إليها النبى صلى الله عليه وسلم قال خذ جارية من السبى غيرها أى فأخذ غيرها

أى والتى أخذها غيرها هى أخت كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق زوج صفية كما فى الأم لإمامنا الشافعى رضى الله عنه عن سيرة الواقدى وقول الرجل للنبى صلى الله عليه وسلم يا نبى الله أعطيت دحية صفية يدل على أنه اسمها وحينئذ يخالف ماقيل إن اسمها زينب فسماها صلى الله عليه وسلم صفية كما تقدم

وفى رواية أن صفية سبيت هى وبنت عم لها وأن بلالا جاء بهما فمر على قتلى يهود فلما رأتهم بنت عم صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها فلما رآها صلى الله عليه وسلم قال اعزبوا عنى هذه الشيطانة وقال صلى الله عليه وسلم لبلال أنزعت منك الرحمة يا بلال حتى تمر بامرأتين على قتلى رجالهما ثم دفع صلى الله عليه وسلم بنت عمها لدحية الكلبى رضى الله تعالى عنه وفى رواية وأعطى دحية بنت عمها عوضا عنها.

أى وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل بصفية رأى بأعلى عينها خضرة فقال ما هذه الخضرة قالت كان رأسى فى حجر بن أبى الحقيق تعنى زوجها أى وهى عروس وأنا نائمة فرأيت كأن القمر وقع فى حجرى فأخبرته بذلك فلطمنى وقال تتمنى ملك العرب وفى لفظ حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وكانت عروسا رأت كأن الشمس نزلت حتى وقعت على صدرها فقصت ذلك على زوجها
قال والله ما تتمنين إلا هذا الملك الذى نزل بنا فلطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها ولا مانع من تعدد الرؤية أو أنها رأت الشمس والقمر فى وقت واحد وسيأتى فى الكلام على زوجاته صلى الله عليه وسلم أنها قصت ذلك على أبيها ففعل بها ذلك وسيأتى أنه لا مانع من تعدد الواقعة وأنهما فعلا بها ذلك
وتقدم أن جويرية رضى الله تعالى عنها رأت القمر أيضا وقع فى حجرها وكون صفية رضى الله تعالى عنها كانت عروسا عند مجيئه صلى الله عليه وسلم خيبر ربما يدل على أن سلام ابن مشكم طلقها قبل الدخول بها فقد تقدم أن كنانة تزوج بها بعد أن طلقها سلام ابن مشكم فليتأمل

وعن صفية رضى الله تعالى عنها أنها قال انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من الناس أحد أكره إلى منه قتل أبى وزوجى وقومى فقال صلى الله عليه وسلم يا صفية أما إنى أعتذر إليك مما صنعت بقومك إنهم قالوا لى كذا وكذا وقالوا فى كذا وكذا وفى رواية إن قومك صنعوا كذا وكذا ومازال صلى الله عليه وسلم يعتذر إلى حتى ذهب ذلك من نفسى فما قمت من مقعدى ومن الناس أحد أحب إلى منه صلى الله عليه وسلم وأعرس بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن طهرت من الحيض فى قبة بعد أن دفعها صلى الله عليه وسلم لأم سليم لتصلح من شأنها وبات تلك الليلة أبو أيوب الأنصارى رضى الله تعالى متوشحا سيفه يحرسه ويطوف بتلك القبة حتى أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى مكان أبى أيوب فقال مالك يا أبا أيوب قال رسول الله خفت عليك من هذه المرأة قتلت أباها وزوجها وقومها وهى حديثة عهد بكفر فبت أحفظك فقال اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى قال السهيلى رحمه الله فحرس الله أبا أيوب بهذه الدعوة حتى إن الروم لتحرس قبره ويستشفون به فيستصحون أى ويستسقون به فيسقون.


السيرة الحلبية في سيرة الأمين و المأمون لبرهان الدين الحلبي ، باب غزوة خيبر




‏حدثنا ‏ ‏يعقوب بن إبراهيم ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏إسماعيل بن علية ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏عبد العزيز بن صهيب ‏ ‏عن ‏ ‏أنس بن مالك ‏‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏غزا ‏ ‏خيبر ‏ ‏فصلينا عندها صلاة ‏ ‏الغداة ‏ ‏بغلس ‏ ‏فركب نبي الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وركب ‏ ‏أبو طلحة ‏ ‏وأنا رديف ‏ ‏أبي طلحة ‏ ‏فأجرى نبي الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في ‏ ‏زقاق ‏ ‏خيبر ‏ ‏وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ثم حسر ‏ ‏الإزار ‏ ‏عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فلما دخل القرية قال ‏ ‏الله أكبر ‏ ‏خربت ‏ ‏خيبر ‏ ‏إنا إذا نزلنا ‏ ‏بساحة ‏ ‏قوم ‏(فساء صباح المنذرين) ‏قالها ثلاثا قال وخرج القوم إلى أعمالهم فقالوا ‏ ‏محمد ‏ ‏قال ‏ ‏عبد العزيز ‏ ‏وقال بعض أصحابنا والخميس ‏ ‏يعني الجيش ‏ ‏قال فأصبناها ‏ ‏عنوة ‏ ‏فجمع السبي فجاء ‏ ‏دحية الكلبي ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏فقال يا نبي الله أعطني جارية من السبي قال اذهب فخذ جارية فأخذ ‏ ‏صفية بنت حيي ‏ ‏فجاء رجل إلى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال يا نبي الله أعطيت ‏ ‏دحية ‏ ‏صفية بنت حيي ‏ ‏سيدة ‏ ‏قريظة ‏ ‏والنضير ‏ ‏لا تصلح إلا لك قال ادعوه بها فجاء بها فلما نظر إليها النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال خذ جارية من السبي غيرها قال فأعتقها النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وتزوجها فقال له ‏ ‏ثابت ‏ ‏يا ‏ ‏أبا حمزة ‏ ‏ما أصدقها قال نفسها أعتقها وتزوجها حتى إذا كان بالطريق جهزتها له ‏ ‏أم سليم ‏ ‏فأهدتها ‏ ‏له من الليل فأصبح النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏عروسا فقال من كان عنده شيء فليجئ به وبسط ‏ ‏نطعا ‏ ‏فجعل الرجل يجيء بالتمر وجعل الرجل يجيء بالسمن قال وأحسبه قد ذكر ‏ ‏السويق ‏ ‏قال ‏ ‏فحاسوا ‏ ‏حيسا ‏ ‏فكانت وليمة رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم

صحيح البخاري ، كتاب الصلاة ، باب ما يذكر في الفخذ



‏قوله : ( خذ جارية من السبي غيرها ) ‏
‏ذكر الشافعي في " الأم " عن " سير الواقدي " أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق . انتهى . وكان كنانة زوج صفية , فكأنه صلى الله عليه وسلم طيب خاطره لما استرجع منه صفية بأن أعطاه أخت زوجها , واسترجاع النبي صلى الله عليه وسلم صفية منه محمول على أنه إنما أذن له في أخذ جارية من حشو السبي لا في أخذ أفضلهن , فجاز استرجاعها منه لئلا يتميز بها على باقي الجيش مع أن فيهم من هو أفضل منه . ووقع في رواية لمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى صفية منه بسبعة أرؤس , وإطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز , وليس في قوله " سبعة أرؤس " ما ينافي قوله هنا " خذ جارية " إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة . وسنذكر بقية هذا الحديث في غزوة خيبر من كتاب المغازي , والكلام على قوله " أعتقها وتزوجها " في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى .

فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، كتاب الصلاة ، باب ما يذكر في الفخذ



‏حدثنا ‏ ‏سليمان بن حرب ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد بن زيد ‏ ‏عن ‏ ‏ثابت ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏قال ‏‏صلى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏الصبح قريبا من ‏ ‏خيبر ‏ ‏بغلس ثم قال ‏ ‏الله أكبر خربت ‏ ‏خيبر ‏ ‏إنا إذا نزلنا بساحة قوم (فساء صباح المنذرين) ‏فخرجوا يسعون في السكك فقتل النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏المقاتلة وسبى الذرية وكان في السبي ‏ ‏صفية ‏ ‏فصارت إلى ‏ ‏دحية الكلبي ‏ ‏ثم صارت إلى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فجعل عتقها صداقها فقال ‏ ‏عبد العزيز بن صهيب ‏ ‏لثابت ‏ ‏يا ‏ ‏أبا محمد ‏ ‏آنت قلت ‏ ‏لأنس ‏ ‏ما أصدقها فحرك ‏ ‏ثابت ‏ ‏رأسه تصديقا له

‏حدثنا ‏ ‏عبد الغفار بن داود ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يعقوب بن عبد الرحمن ‏ ‏ح ‏ ‏و حدثني ‏ ‏أحمد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ابن وهب ‏ ‏قال أخبرني ‏ ‏يعقوب بن عبد الرحمن الزهري ‏ ‏عن ‏ ‏عمرو ‏ ‏مولى ‏ ‏المطلب ‏ ‏عن ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏قال ‏‏قدمنا ‏ ‏خيبر ‏فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال ‏ ‏صفية بنت حيي بن أخطب ‏ ‏وقد قتل ‏ ‏زوجها ‏ ‏وكانت عروسا فاصطفاها النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لنفسه فخرج بها حتى بلغنا ‏ ‏سد الصهباء ‏ ‏حلت فبنى بها رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ثم صنع حيسا في ‏ ‏نطع ‏ ‏صغير ثم قال لي ‏ ‏آذن من حولك فكانت تلك وليمته على ‏ ‏صفية ‏ ‏ثم خرجنا إلى ‏ ‏المدينة ‏ ‏فرأيت النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع ‏ ‏صفية ‏ ‏رجلها على ركبته حتى تركب

صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب غزوة خيبر



‏قوله : ( وكان في السبي صفية بنت حيي فصارت إلى دحية , ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ) ‏
‏في رواية عبد العزيز عن أنس " فجاء دحية فقال : أعطني يا رسول الله جارية من السبي , قال : اذهب فخذ جارية , فأخذ صفية , فجاء رجل فقال : يا نبي الله أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك , قال ادعوه بها , فجاء بها , فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال : خذ جارية من السبي غيرها , وعند ابن إسحاق أن صفية سبيت من حصن القموص وهو حصن بني أبي الحقيق , وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وسبي معها بنت عمها - وعند غيره بنت عم زوجها - فلما استرجع النبي صلى الله عليه وسلم صفية من دحية أعطاه بنت عمها . قال السهيلي : لا معارضة بين هذه الأخبار فإنه أخذها من دحية قبل القسم , والذي عوضه عنها ليس على سبيل البيع بل على سبيل النفل . قلت : وقع في رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عند مسلم أن صفية وقعت في سهم دحية , وعنده أيضا فيه " فاشتراها من دحية بسبعة أرؤس " فالأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه هنا نصيبه الذي اختاره لنفسه , وذلك أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه جارية فأذن له أن يأخذ جارية , فأخذ صفية . فلما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أنها بنت ملك من ملوكهم ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها , فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم , فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه واختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بها , فإن في ذلك رضا الجميع , وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء . وأما إطلاق الشراء على العوض فعلى سبيل المجاز , ولعله عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها فلم تطب نفسه فأعطاه من جملة السبي زيادة على ذلك . وعند ابن سعد من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس وأصله في مسلم " صارت صفية لدحية , فجعلوا يمدحونها , فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطى بها دحية ما رضي " وقد تقدم شيء من هذا في أوائل الصلاة , ويأتي تمام قصتها في الحديث الثاني عشر , ويأتي الكلام على قوله في الحديث " وجعل عتقها صداقها " في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى .

فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب غزوة خيبر



‏حدثنا ‏ ‏قتيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يعقوب ‏ ‏عن ‏ ‏عمرو ‏ ‏عن ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏رضي الله عنه ‏‏أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏لأبي طلحة ‏ ‏التمس غلاما من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى ‏ ‏خيبر ‏ ‏فخرج بي ‏ ‏أبو طلحة ‏ ‏مردفي وأنا غلام راهقت ‏ ‏الحلم ‏ ‏فكنت أخدم رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إذا نزل فكنت أسمعه كثيرا يقول اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن ‏ ‏وضلع ‏ ‏الدين وغلبة الرجال ثم قدمنا ‏ ‏خيبر ‏ ‏فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال ‏ ‏صفية بنت حيي بن أخطب ‏ ‏وقد قتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لنفسه فخرج بها حتى بلغنا ‏ ‏سد الصهباء ‏ ‏حلت فبنى بها ثم صنع ‏ ‏حيسا ‏ ‏في ‏ ‏نطع ‏ ‏صغير ثم قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏آذن من حولك فكانت تلك وليمة رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏على ‏ ‏صفية ‏ ‏ثم خرجنا إلى ‏ ‏المدينة ‏ ‏قال فرأيت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع ‏ ‏صفية ‏ ‏رجلها على ركبته حتى تركب فسرنا حتى إذا أشرفنا على ‏ ‏المدينة ‏ ‏نظر إلى ‏ ‏أحد ‏ ‏فقال ‏ ‏هذا جبل يحبنا ونحبه ثم نظر إلى ‏ ‏المدينة ‏ ‏فقال اللهم إني أحرم ما بين ‏ ‏لابتيها ‏ ‏بمثل ما حرم ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏مكة ‏ ‏اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم ‏

صحيح البخاري ، كتاب الجهاد و السير ، باب من غزا بصبي للخدمة




Author Image

Richard

باحث وناقد في الإسلام وكتبه .

أضف تعليق: