الإسلام مهدّدًا أوروبا !


بقلم: هادي بن رمضان 
المصدر : الحوار المتمدن

خلال القرن الماضي , قامت الدولة الفرنسية بإستقبال الاف المغاربة كعمّال , وكان هؤلاء العمّال البذرة الأولى للعدد الهائل لعرب ومسلمي فرنسا اليوم . تطوّر النّموذج الإقتصادي الفرنسي بمرور الزمن ولم تعد فرنسا في حاجة للعمّال التقليديّين , فشاعت بين عربها البطالة , وبدأت رحلة تشكّل الأحياء العربية الفقيرة التي تسودها الفوضى المطلقة والعنف . وطبعا , إرتدّ هؤلاء إلى العنصر الديني , كما يفعل أي عاجز مصاب بعقدة نقص , فأراد أداة فوق-طبيعية لتجاوز عجزه هذا . يتخيّل العقل الدّيني أنّه الأكثر قوّة ونبلا لمجرّد إعتناقه للدّين الصحيح , مهما كان متخلّفا على كل الأصعدة , الإقتصاديّة والعسكريّة والإجتماعيّة ... وهذه السّمة (سمة العقل الديني) يتشاركها كلّ المسلمين العرب حول العالم , ويرجّح بعض الباحثين بدايتها مع الإنهيار المدوّي أمام إسرائيل .

يمثّل اليوم عرب فرنسا ما نسبته 70% من مساجينها , بمستويات هائلة من الهمجيّة والعنف بين الشّباب العرب , والذّي تزامن مع إطلاق الدول الخليجية لحملاتها التّبشيريّة بالمذهب السنيّ الحنبليّ/الوهّابي بكلّ ثقلها المادي والمعنوي , لتوقع عرب فرنسا في شراك التطرف والإرهاب الديني , فأصبحت البربريّة الهمجيةّ والرفض المطلق لكل أشكال الحرية وللقيم العلمانية للجمهورية الفرنسية ميزة إنفرد بها عرب فرنسا لوحدهم عن غيرهم من عرب العالم الغربي . وبدأ تسلسل الأحداث يكشف عن جوهره مع تصاعد وتيرة العنف بالهجوم الدموي على صحيفة "شارلي إيبدو" والهجمات على أحياء اليهود والهجوم على مصنع فرنسي وجزّ رأس أحد العاملين به . مع موجات عنف دورية أثناء كل إشتباك بين حركة حماس وإسرائيل والتي تنتهي بتخريب المقاهي الفرنسية وتجمعات يهود فرنسا .

وفي مسيرة الحرية تضامنا مع صحيفة إيبدو والتي حضرها ملايين الفرنسيين , كان الغياب العربي والإسلامي بشكل فاجع , فرغم الأعداد المليونيّة لمسلمي فرنسا فلم يكن لهم أي وجود يذكر . واقتصر الأمر على عائلات عربية قليلة ذات طابع متحرّر وميسور الحال خرجت خشية من تصاعد موجات العنصرية ضد عرب فرنسا وبالتالي تهديد مصالحها الخاصة !



أمّا في أستراليا فقد أحبطت الشّرطة بشكل دوري عشرات المخططات الإرهابية ولاحقت وقبضت على عشرات -الجهاديين- , بل إنتقلت حتى إلى مراقبة المساجد خشية من الموجة العاتية من الإرهاب الديني الذي ضرب فجأة عربها ومسلميها !

أمّا بلدان كالدنمارك والسويد والنرويج فقد أستهدف فيها الكتّاب والمخرجون لمشاركتهم في أعمال فنية وأدبية معادية للإسلام . وفي أمريكا كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر وهجمات أخرى متفرقة . وفي لندن كانت تفجيرات 2006 . وفي السويد قامت مجموعة من المسلمين بمهاجمة معرض للرسوم الكاريكاتورية بأسلوب مفرط الهمجية , وفي ألمانيا قبل الأزمة السورية إنتشر التيار السلفي بشكل واضح وأقيمت شرطة دينية داخل أحياء عرب ومسلمي ألمانيا . وهاجم لاحقا لاجئون عرب اللاجئين الأمراج بسبب حرقهم لراية "العقاب" السوداء ذات أبعادها الدينية .

وأيضا بكل من أمريكا والدنمارك والسويد والنرويج أقيمت عشرات المسيرات المطالبة بتحكيم الشريعة الإسلامية وقيام الخلافة , وكان من بين المشاركين مئات النسوة المقيمات بالعالم الغربي منذ عقود بلباس أسود شرعيّ وممارسات دينية أصولية أصيلة . والغريب مشاركة بعض الفتيات من غير المحجبات في تلك المسيرات التي أشرف على تنظميها وقيادتها حزب التحرير : وهذه نقطة مهمة , فالحزب يجرّم تعرية الرأس , فكيف إذا لمن كشفت عن شعر رأسها أن تتضامن مع حزب رافض لممارساتها الخاصة !

تقودنا هذه النقطة إلى إستنتاج مهم : أن الدين هو بالفعل عنصر مضاد لعقدة النقص , عقدة التفاوت الحضاري الهائل بين العالم العربي برمزيته الدينية وبين العالم الغربي برمزيته الدينية الأخرى , فالعائلات العربية بإجماع كل الباحثين مارست منذ عقود دورا سلبيا في تكوّن شخصية أبنائها , بالتركيز على تحذيرهم من الممارسات الغربية الشّاذة المخالفة للمعتقد الديني , وبتصوير الاخر في محلّ الهائم والكافر , وهكذا يجد الشاب العربي صعوبات جمّة في التأقلم , وما يلبث أن يرتدّ إلى المعتقد الديني بكل أبعاده القروسطية المدمّرة . وإستدعاء العنصر الديني هو نتيجة حتميّة لبنية العائلة العربية والمجتمع العربي بأوروبا وأمريكا وأستراليا وكلّها عوامل معزّزة للإنتماء الإثني .

في بريطانيا , عرضت فتاة بريطانيا مقطع فيديو من تصويرها , عن تجمّع لمجموعة من الملتحين والمنقّبات المطالبين بنبذ الديمقراطية والعلمانية وتحكيم شريعة الإسلام , ويتوجه أحدهم مخاطبا الفتاة بأنها من أهل النار بسبب ملبسها أولا ومعتقدها ثانيا .

منذ بداية الحرب الأهلية السورية صدّرت القارة الاوروبية ودول كـأمريكا وأستراليا الاف -الجهاديّين- ممّن ينحدرون من عائلات مقيمة بالعالم الغربي منذ سنوات وعقود , وإحتفظت هذه العائلات بعقل جمعي في أقصى درجات الإنغلاق والذي تجاوز في الكثير من الأحيان المجتمعات المحافظة بالعالم العربي . علما وأن هؤلاء المنتشرين بكل أصقاع الأرض كانت أحوالهم المادية والإجتماعية لعقود أفضل بكثير من لاجئي اليوم من السوريين والعراقيين الفارّين من الحرب والذين تعرّضوا لأضخم بروبغندا دينية وطائفية في التاريخ وأصبحت همجية الحرب جزءا من سلوكهم الإعتيادي .

إنّ كلّ ما ذكرته في هذه الأسطر كان سابقا لموجة الهجرة الحالية , والأعداد الهائلة من المهاجرين اليوم الذين يحملون معهم عقلهم الديني الطائفي والأصولي سينتهي بفاجعة تاريخية للقارة الأوروبية والحضارة الغربية , وستكون هذه الفاجعة صعودا للتيارات الفاشية العرقية والدينية الأوروبية (بدأ بالفعل) كمشهد الصراع بين اليهود والنازية . وسينجرّ عن ذلك قيام الأصولية الدينية في العالم العربي بكل قوتها كردة فعل حتمية , فالأصولية الإسلامية تتصيّد أنصاف الفرص والأحداث لتهتف عن مؤامرة صليبية وغربية ضد العالم الإسلامي , وهي في حاجة لأحداث كبرى من حيث حجم الكراهيّة لتبني خطابها الدّعائيّ من جديد .

يقف العالم الغربي اليوم أمام معضلة حادّة , فإذا رحّب بأعداد هائلة من اللاّجئين فهو على أعتاب كارثة , وإذا ما تفرّغ لملاحقة وطرد المشتبه بهم من ذوي الميول الأصوليّة فهو يضع الحجر الأساس في سبيل إحياء موجات الكراهيّة والعنصريّة والتّمييز . ليس للعقل العربي والديني اليوم أيّ قدرة على التّأقلم مع نمط الحياة الغربية , ينطلق هذا العقل في فهمهم للعالم من خلال قاعدة دينية محضة , فهذا العقل الديني والطائفي النرجسي الذي نشأ على أوهام التفوق , يقف مذهولا أمام التّفوّق الحضاري والأخلاقي لبلاد الكفر والتي يفترض كما تزعم العقيدة الدينية النرجسيّة أن تعاني ويلات ضلال القوانين الوضعيّة والتّفسّخ الأخلاقي , وسرعان ما يلجأ هذا العقل النرجسيّ اللاّعقلاني إلى مفاهيم دينية لتجاوز ذهوله هذا : كأن الله مثلا قد سخّر الحضارة الغربية لعباده الصالحين , أو أن يستمر فإعتقاده بأن هؤلاء الغربيين هم مجرد ضالّين لن تغني عنهم أعمالهم يوم الحساب شيئا .

وإذا كان عشرات الالاف من العرب الغربيين المقيمين بأوروبا وأمريكا منذ عقود خلت بعيدا عن الحروب والصراعات الطائفية لم يتغيروا درجة واحدة بل إرتدّوا إلى تبني الأيديولوجيا السلفيّة , فكيف يتخيّل بعض الحالمين والمتفائلين بقدرة السوري والعراقي الفارّ من الحرب وأعمال النّحر والصّلب وقطع الرؤوس على التّأقلم مع نمط الحياة الغربيّة !

يقف العالم اليوم أمام نفق مظلم , وستتوالى الأحداث والبراهين لتأيّد هذا الإستقراء , فالعقل العربيّ في حضيض اللاّعقلانية , وليس من الصعب توقّع ممارساته المقبلة .

فضيحة الإسلام في بريطانيا :


فضيحة الإسلام في السويد :


Author Image

Richard

باحث وناقد في الإسلام وكتبه .

أضف تعليق: