اعتاد مُحَمَّد أن يطلب من الكتبة إضافة بعض الآيات المستجدة إلى هذا النص أو ذاك (الإتّقان 378)، ولكن ذلك الإجراء لم يشمل كل النصوص القرآنية، وما تركه قبيل وفاته (11 ﻫ/ 632 م) كان مجرد قطع متناثرة من سور مدونة على مواد الكتابة البدائية، مثل الجلود والخزف وأوراق النخيل. ولم تكن تلك القطع محفوظة لدى مُحَمَّد، أو لدى شخص بعينه، فحينما شُرع فى جمع القرآن، لم تلجأ لجنة الجمع لشخصٍ محدد، بل طلبت من كلّ مَن يملك شيئاً من القرآن أن يأتي به. عملياً، لم يسعَ مُحَمَّد لجمع القرآن قطّ، وعلّل أحد علماء المسلمين ذلك بقوله: «إنّما لم يِجْمَعْ [مُحَمَّد] القرآنَ في المصحفِ لِما كان يترقَّبُه منْ ورودِ ناسخٍ لبعضِ أحكامه أو تلاوتِه» (الإتّقان 377).

في المدينة قام محمد بتدوين جزئي للقرآن، مما يعني أن القسم المكي من القرآن والذي يشكل حوالي ثِلْثَي المادة القرآنية لم يدون مطلقاً، وعلى فرض أن محمداً كان قد دوّن بعض النصوص في مكة، فإنها فُقدت، لأن الحوليات التاريخية لا تذكر اصطحاب المسلمين لمدونات قرآنية أثناء ترحالهم للهجرة، إضافةً لذلك، لا نجد في المصادر التاريخية أي حديث عن كتبة للقرآن في مكة، والإشارة الوحيدة التي يُفهم منها وجود كاتب تتصل بعبد اللهِ بن أبي سَرْحٍ، الذي رُوي أنه كتب القرآن لمُحَمَّد في مكة (جبل 162 ـ 163)، ولكنه انشق عنه، وانضم للقرشيين بعد أن تبين له عدم صدق دعاوي مُحَمَّد النبوية (الزمخشري 2: 372، الطبري 9: 405 ـ 406).


يورد ابن سعد قائمة «من جمع القرآن» في عهد مُحَمَّد، فيذكر: أُبيّ بن كَعب، ومُعاذ بن جَبل، وأبو الدَّرداء، وزَيد بن ثابت، وسعد بنُ عُبيد، وأبو زْيْد بن عُبيد، ومجمَّع بن جارية، ويُقال أن ابن مسعود تعلم جزءاً من القرآن من مجمَّع. ويضيف خبرٌ ثانٍ أورده ابنُ سعد أسماءً أخرى: عثمان بن عفّان، وتميم الدّاريّ، ومعاذ بن جبل، وعُبادة بن الصامت، وأبا أيّوب (ابن سعد 2: 306 ـ 307). ويبدو أن معنى «جمع» هنا هو الحفظ، لأن الإجماع معقود بين المؤرخين المسلمين أن أول جمع بمعنى التدوين جرى بإشراف زيد بن ثابت. ولا شك أن هؤلاء الذين «جمعوا» القرآن (حفظاً أو كتابةً)، جمعوه جزئياً، لا كلياً، لأنه لم يكن هناك نص مكتوب بعد، وكان مُحَمَّد ما يزال يضيف على القرآن، وينسخ فيه، ويحذف هنا وهناك.

نلاحظ أنّ الشّخصيات التي قيل أنّها جمعت القرآن في عهد مُحَمَّد، ليست ذات ثقل اجتماعي، ويلوح لنا أنهم كانوا أناساً مخلصين لدعوة الإِسلام، إلا أن هذه الشخصيات كانت بعيدةً عن دائرة القرار، ويُستثنى من هذه القائمة: عُثمان بن عفّان، الذي ربما أُضيف اسمه إلى هذه القائمة لإسباغ نوع من القداسة عليه، سيما أنه كان محل انتقاد مسلمين كثيرين إِبّان حكمه.

إذاً، على طول المرحلة المكية، وكذلك أثناء بعض الفترات المدنية كانت الذاكرة هي الأداة الرئيسية في تسجيل نصوص القرآن، ولكن الذاكرة أداة لا يُعتمد عليها، بل كانت تخون مُحَمَّداً نفسه «لهذا تراه في سورة البقرة (2: 106) يعزّي المؤمنين بقوله إن اللهَ سوف يمنحهم بدل كلّ آيةٍ ذهبت ضحيّة النسيان آيةً أفضل» (نلدكه 39).

أولاً: الجمع البكري/ العمري

[جمع زيد الأول]

أوّل جمع للقرآن قام به أبو بكر (السجستاني 11 ـ 12، الدّاني 13)، فبعد أن خلف مُحَمَّداً في قيادة المسلمين (11 ـ 13 ﻫ/ 632 ـ 634 م)، خاض سلسلة من المعارك ضد القبائل التي رفضت الخضوع لسلطة المسلمين، وقد عُرفت هذه الحروب في المصادر الإسلامية بـ «حروب الردّة»، والتي انتهت بالمعركة الدموية ضد مُسيلمة في الْيَمَامَة (12 ﻫ/ 633 م)، حيث حقق المسلمون نصراً ساحقاً، ولكن بتكلفة بشرية عالية.

حسب الروايات، فإن بعضاً ممن قُتلَ في هذه المعركة الفاصلة كان من حفظة القرآن، ومن ثم اقترح عمر بن الخطاب على أبي بكر جمع القرآن، وقد سأله أبو بكر كيف يفعل شيئاً لم يقم به مُحَمَّد، لكنّ عُمرَ دافع عن رأيه بأن حروباً آتيةً لا محالة بعد معركة الْيَمَامَة، وأنّ تعرض القرّاء للقتل يؤدي إلى ضياع كثير من القرآن (السجستاني 13، الدّاني 15)، فخاف «أبو بكر على القرآن أنْ يضيعَ»، فكلّف عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت بمهمة جمع القرآن (السجستاني 12).

تطرقت بعض الروايات لخشية أبي بكر من ضياع القرآن، بدون ذكر مشورة عمر، بل توجز القول: «لما أصيب المسلمون بالْيَمَامَةِ فَزع أبو بكرٍ، وخافَ أن يَهْلِك من القرّاء طائفةٌ، فأقبل النّاسُ بما كان معهم وعندهم حتى جُمِعَ على عهدِ أبي بكرٍ في الورق، فكان أبو بكر أولَ مَنْ جمع القرآن في الصّحف» (الإتّقان 378). [يكشف ذكر الورق في الرّواية التلاعب الذى تعرضت له كثير من الروايات في المراجع الإسلامية، لأن العرب استعملوا أوراق البردى بعد احتلال مصر، أيْ في عهد عُمرَ بن الخطّاب، ولم ينتج الورق إلاّ بعد قرنٍ ونصف القرن، في سمرقند، وبدأ إنتاجه في بغداد في نهاية القرن الثامن الميلادي بمساعدة الصينيين (ستيبتشفيتش 1: 219 ـ 220، قارن: Déroche: 173).

جاء تكليف أبي بكر لزيد بالمهمة، لأنه كان يكتب القرآن لمُحَمَّد، كما أعلنه في طلب التكليف: «أنتَ شابٌّ عاقلٌ، لا نَتَّهمُك، قد كنْتَ تكتبُ الوحي للنبيّ، فتَّتبع القرآن فتجمعه» (الدّاني 16، الزركشي 1: 233، الإتّقان 379). ولم تكن المهمة يسيرة على الإطلاق، ويشرحها زيد كالآتي:

«لو كلفوني نقل الجبال كان أيسر عليّ من الذي كلفوني، فجعلت أتتبع القرآن من صُدورِ الرِّجالِ، ومن العُسُبِ [جريدة النخل]، ومن الرّقاع [قطعة جلد]، ومن الأضلاع، واللِّخاف [الحجارة الرقاق والخزف]».
(الزركشي 1: 233، السجستاني 14، 15، 28، قارن الدّاني 13 ـ 14)

وجرت عملية الجمع على النحو التالي:

استدعى أبو بكر الأشخاص المعروفين بجودة حفظهم، وطلب منهم العمل تحت إمرة زيد، فجرى الاجتماع في منزل عمرَ بنِ الخطّابِ ليتشاوروا في كيفية جمعه، ولتقاسم المهمات (جار الله 26). وطلبوا من بلال الحبشي أن يوجه نداءً بالمدينة إلى الذين لديهم مدونات أن يسلموها إلى لجنة التدوين (جار الله 27). كان مطلوباً لتثبيت أي قطعة قرآنية شهادة اثنين (الإتّقان 383). ومن الطريف ما يروى أن عُمرَ أتى إلى اللجنة بآية الرَّجْم، فلم يكتبها زيد، لأنه لم يشهد غيره عليها (الإتّقان 385).

استغرقت عملية الجمع حوالي السنة (جبل 187). وبعد أن أنجز زيد المهمة، سلم الصحّف إلى أبي بكر، ثم تسلمها عمر حينما أصبح خليفةً، وبعد وفاته آلت الصحف إلى ابنته حفصة (السجستاني 15).

ثانياً: جمع عثمان [جمع زيد الثّاني]

ثمة رواية تقول إن عثمان بن عفّان جمع القرآن أثناء خلافة عمر بن الخطاب (ابن سعد 2: 307)، ولا يُفهم من هذه الرواية إنْ كان عثمان قد جمع القرآن بمفرده أم أنه شارك في عمل لجنة زيد، ولكن إن كان المقصود أنه شارك فى اللجنة، فهي رواية مقبولة.

في حوالي سنة خمس وعشرين للهجرة (وقيل في حدود سنة ثلاثين)، اتخذ عثمان بن عفّان قرار جمع القرآن (الإتّقان 389)، وذلك بعد أنْ دبّت خلافات بين المسلمين بشأن القراءات القرآنية. كان افتراق الكلمة منتشراً على نطاق واسع:

العراق: كانت الجيوش الإسلامية تضم قبائل وعصبيات متنافسة، وعلى أساس هذا الانقسام العصبوي نشأت تعارضات بين المسلمين حول قضايا متنوعة، بما في ذلك القرآن، وقد حدث انقسام بين أهل البصرة الذين يقرؤون بقراءة أبي موسى وأهل الكوفة الذين يقرؤون بقراءة ابن مسعود (السجستاني 20).

العراق/الشام: انتشر الخلاف إلى خارج العراق، إذ حصلت مشاجرات بين المقاتلين من أهل العراق ومن أهل الشام، المتواجدين على تخوم إِرْمِينيّة وأذربيجان (السجستاني 26 ـ 28). كان أهل حمص يعتبرون مصحف المقداد بن الأسود أوثق المصاحف، بينما تمسك بقية أهل الشام بمصحف أُبَيّ بن كعب. أما أهل الكوفة، فاعتبروا قراءة ابن مسعود هي القراءة المرجعية، فيما رأى أهل البصرة أن نص أبي موسى هو النص الأوثق (نلدكه 279). ووصلت هذه الأخبار إلى عثمان (السجستاني 18).

في المدينة: كان الخلاف بشأن القراءات متفشياً أيضاً في المدينة، قلب الإسلام آنذاك، فكان معلمو الصّبيان يتنازعون، «حتى كفّر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيباً، فقال: «أنتم عندي تختلفون فيه، فتلحنون، فمن نأى عنّي من الأمصار أشدّ فيه اختلافاً وأشدّ لحناً. اجتمعوا يا أصحاب مُحَمَّد، واكتبوا للناس إماماً!»» (السجستاني 29، الدّاني 17). وقال أيضاً: «إنّما قبض نبيّكم منذ خمس عشرة سنة، وقد اختلفتم في القرآن!؟» (السجستاني 32).

علاوة على ذلك، أدى توسع المسلمين واختلاطهم بشعوب أخرى إلى اختلاط اللغات، فبدا أنّ عملية التطور اللغوي ستجعل القرآنَ «في خَطَرِ التّحريفِ والتّصحيفِ والزّيادةِ والنّقصان» (عالم المعجزات 169).

أ. الاعتماد على نسخة حفصة

لا شك أن وجود مئات النسخ القرآنية بين أيدي المسلمين قد غذى الانقسام بشأن المصحف المرجعي في مختلف المدن (الكوفة والبصرة والمدينة)، والأقاليم (العراق والشام). ويقدّر أحد المؤرخين أن عدد المصاحف في نهاية حكم عمر بن الخطاب (13 ـ 23 ﻫ/ 634 ـ 644 م) كان يربو على مئة ألف مصحف، منتشرة في العراق والشام ومصر (جار الله 28). ونحن لا نوافق على هذا التقدير الذي لا يستند إلى معطيات تاريخية، بل يعتمد على التخمين، وإن كان من غير المستبعد وجود عدد كبير من النسخ آنذاك في كل مدينة إلا أنها قد تصل لبضع عشرات فحسب، ولو كان العدد يزيد على المئة ألف لبقيت لنا على أقل تقدير العشرات من هذه النسخ. والمؤكد أن كلها كانت نسخاً لا تحتوي على القرآن بأكمله، فربما كان لدى أحدهم بضع سور، وربما كان لدى آخرين أجزاءٌ كبيرة من القرآن، ولكن أن يكون ثمة مئة ألف نسخة من المصحف الكامل آنذاك، فهذا أمر مستبعد تماماً، لأن عملية الجمع الأولى كشفت أن المدونات القرآنية موزعة بين مسلمين عديدين، فضلاً عن أن أجزاءً من القرآن كانت محفوظة في الذاكرة فحسب، والنسخة الوحيدة التي أنجزتها لجنة زيد الأولى وعلى مدى سنة كاملة أُستودعت في نهاية المطاف لدى حفصة، وهي النسخة الوحيدة التي اعتبرت كاملة نسبياً. ولم يُنسخ عنها وقتذاك أي نسخة للتداول.

لما كانت النسخة الفريدة الجامعة هي النسخة المُستودعة لدى حفصة، فإن عثمان طلبها منها كي تكون أساساً للعمل المزمع القيام به، وعيّن لجنةَ تحرير مؤلَّفة من: زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير، وفي رواية أخرى: زيد بن ثابت، وعبد اللهِ بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (الدّاني 14)، وفي خبر آخر أن عثمان عين لجنة من اثني عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار (السجستاني 33 ـ 34).

طلب عثمان من لجنةِ التدوين كتابةَ القرآنِ بلغة قريش، ويُعزى هذا الشرط إلى عمر بن الخطاب، الذي شرط على أعضاء لجنة زيد الأولى أن يتم التدوين «بلغة مضر» (السجستاني 17 ـ 18).

بعد أن أنجزت اللجنة المهمة المنوطة بها، أعدت بضع نسخ لتوزيعها على الحواضر، وأرسل عثمان النسخ إلى مراكز الحكم الإسلامية، آمراً حُكَّامها أن يتلفوا المصاحف التي بحوزتهم (السجستاني 26، الدّاني 16)، إذْ بعث بنسخة إلى كل من: الكوفة، والبصرة، والشّام، واحتفظ بنسخة لديه. وقيل أن عدد النسخ كان سبعاً وأرسلها إلى: مكّة، والشّام، واليمن، والبحرين، والبصرة، والكوفة، وترك نسخة بالمدينة. وإن كان الرأي الإسلامي يميل لرواية أنه أرسل أربع نسخ (الدّاني 19).

بعد ذلك، أعاد عثمان إلى حفصة نسختها، حيث بقيت لديها إلى أيام حكم مروان بن الحكم (السجستاني 16)، إذْ بعد وفاتها، طلب مروان من عبد الله بن عمر (أخي حفصة) إرسال النسخة إليه (السجستاني 32)، فبعثها ابن عمر إلى مروان الذي قام بحرقها «مخافةً أن يكون في شيء من ذلك اختلاف لما نسخ عثمان» (السجستاني 28).

لم يُسجّل أي اعتراض على إجراء عثمان، باستثاء اعتراض ابن مسعود (الدّاني 18). في حين أن الشخصيات المعتبرة في المدينة أيّدت قرار توحيد المصحف، وتواترت الأخبار أن عليَّ بن أبي طالب أقرّ لعثمان بفضل جمع القرآن، وقال: «يا أيها الناس لا تغلّوا في عثمان، ولا تقولوا له إلاّ خيراً في المصاحف وإِحراق المصاحف، فواللهِ ما فعلَ الذي فعل في المصاحف إلاّ عن ملإٍ منا جميعاً» (السجستاني 30، قارن: الإتّقان 391). وأعلن بأنه لو كان تسلّم زمام الحكم، لقام بما قام به عثمان بهذا الخصوص (الدّاني 18، قارن: الإتّقان 393).

ب. رفض ابن مسعود

رفض ابن مسعود الاعتراف بالنسخة العثمانية لأسباب شخصية، إذْ امتلأ قلبه حقداً إثر استبعِاده من لجنة الجمع، وقال: «يا معشر المسلمين أُعزَل عن نسخ المصاحف وتولاّها رجل [أيْ: زيد]، والله لقد أسلمت، وأنه لفي صلب أبيه كافراً» (السجستاني 24 ـ 25).

كان ابن مسعود يرى أنه صاحب الحق في الإشراف على التدوين، فرفض الاعتراف بالنسخة التي أنجزها زيدٍ، وكان يردد بمرارة: «لقد قرأتُ من فِيِّ [مُحَمَّد] سبعين سورة، وأنّ لزيد بن ثابت ذؤابتيْن يلعب مع الصّبيان» (السجستاني 21 ـ 22). وقد دفع ابن مسعود الكوفيين لرفض قرار عثمان بشأن فرض المصحف الرسمي عليهم (نلدكه 280 و339)، وظل الكوفيون متمسكين بمصحف ابن مسعود حتى تسلم الحجاج بن يوسف الثقفي زمام الأمور (Encyclopaedia of the Qur’ān 1: 348).



ج. الفرق بين الجمع البكري والجمع العثماني

لا يمكن قبول الرواية التي تقول إن قرار أبي بكر بشأن جمع القرآن يعود إلى نتائج معركة الْيَمَامَةِ، لأن الذين سقطوا في هذه المعركة ممن لديهم معرفة بالقرآن قلائل، و«في الواقع لا نجد [...] إلاّ اثنين ممّن سقطوا، من الذين يُشهد لهم بوضوح بمعرفتهم للقرآن. وهما عبد اللهُ بن حفص بن غانم، وسَالم، من أتباع أبي حُذَيْفَة» (نلدكه 253). الواضح، أنّ قرار أبي بكر وعمر كان يهدف إلى تأمين نسخة جامعة للنصوص القرآنية في موضع واحد، أي بمعنى آخر، حفظ (أرشفة) القرآن مخافة الضياع، في حين كان جمع عثمان يهدف إلى معالجة الاختلافات في القراءات، فبعد توسع الإسلام في الجزيرة العربية، صار العرب يقرؤون القرآن حسب لغاتهم القبلية، فرأى عثمان أن ذلك قد قاد «بعضَهم إِلى تخطئةِ بعضٍ، فخَشِي مِنْ تفاقمِ الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحفَ في مصحفٍ واحدٍ مُرَتِّباً لسوره، واقتصرَ منْ سائر اللّغات على لغة قريشٍ، محتجّاً بأنّه نَزَل بلغتِهم، وإِنْ كان قد وُسِّع في قراءتِه بلغة غيرهم رَفعاً للحجرِ والمَشقٌّة في ابتداءِ الأمرِ، فرأى أنَّ الحاجةَ إلى ذلك قد انتَهتْ فاقتصر على لغةِ واحدةٍ» (الإتّقان 391). ويشرح الحارثُ المحاسِبيُّ:

«المشهورُ عند الناس أنَّ جامعَ القرآنِ عثمانُ وليس كذلك، إِنما حَمَلَ عثمانُ الناسَ على القراءة بوجهٍ واحدٍ على اختيارٍ وَقعَ بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصارِ». (الإتّقان 392)

إن مسعى التوحيد الذي قام به عثمان كان مبنياً على بواعث سياسية، فالمسلمون كانوا بحاجة لرابطة تجمعهم، وكان الإسلام المحرك المشترك. ثم إنّ القرآن هو كتاب الإسلام المقدس، والخلاف بشأنه كان سيؤدي إلى إضعاف الرابطة بين المسلمين. أيْ إنّ فرض القراءة الواحدة يتصل بالحاجة إلى تعزيز الوحدة السياسية بين المسلمين. وكانت الخشية من وهن الرابطة أكبر من الحفاظ على التنوع في القرآن، فمُحَمَّد حينما سمح للمسلمين بالقراءة وفق لغاتهم القبلية، وأجاز تعدد القراءات، كان وقتها قائداً لتَجَمُّعٍ سياسي ديني محصور بالمدينة ودوائرها، ولكن في عهد عثمان، فإنّ الوضع السياسي والاجتماعي بات معقداً، وتأتّى على عثمان أن يعالج النص القرآني وفق حاجات مجتمع في طور النمو والتوسع العسكري.

على أن إنجاز المصحف العثماني لم يكن خالياً من العيوب:

أولاً: بعد أنْ عُرض المصحف على عثمان قال: «إنّ فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها» (السجستاني 41)، وقال بأنه لو كان «الكاتب من ثقيفٍ لم يوجد فيه هذا» (السجستاني 42). وقد طالبه البعضُ بإجراء التنقحيات المطلوبة، فحينما تُلي بمحضر منه (الآية 63) من سورة طه (20) اُقترح عليه تصحيحها، فرفضَ، وقال: «دَعُوه فإنّه لا يحرّم حلالاً، ولا يحلّل حرماً» (القُرْطُبيّ 14: 90).

ثانياً: كان يوجد خللٌ آخر في المصحف، إذْ كان خالياً من علامات التنقيط والتشكيل، مثله في ذلك مثل كل المصاحف الأخرى، «فكان على القارئ نفسه أن ينقّط ويشكّل هذا النص على مقتضى معاني الآيات، ومثال ذلك كلمة «ىعلمه» كان يقرؤها الواحد «يُعَلِّمُهُ» والآخر «نُعَلِّمُهُ» أو «تُعْلِمْهُ» أو «بِعِلْمِهِ» الخ على حسب تأويله للآية، فكان حينئذٍ لكل قارئ اختيار في الحروف وكذلك اختيار في الشكل أيضاً، وفضلاً عن ذلك فقد وقع اختيار بعض القراء، كما يتبين ذلك من كتب القراءات، على كثير مما كان في المصاحف التي منع عثمان استعمالها» (مقدمة جفري 7 ـ 8). وغياب التنقيط أبقى على حالة تعدد القراءات، مما استدعى تدخلاً جديداً من السلطة السياسية، وذلك حينما نقّح الحجاج بن يوسف الثقفي بعض المقاطع القرآنية (السجستاني 59، 130).

ثالثاً: المصاحف

عندما تحرّك عثمان لتوحيد القراءات القرآنية، اعتمد على نسخة حفصة، لكنه لم يستنسخها بحذافيرها، إذ قامت لجنته بعملية مراجعة وتنقيح لهذا المصحف، ورتّبت السور. ثم لما فرض عثمان قراءة واحدة، ترك هامشاً للمصاحف الفردية؛ فهو لم يتلف نسخة حفصة، بل أعادها إليها. ولم يطارد أصحابها، كما أن لدينا في المصادر قائمة بمصاحف أخرى تزامن وجودها مع نسخة لجنة عثمان:

1. مصحفُ سَالِم بن معقل.
2. مصحفُ عبد الله بن عبّاس.
3. مصحف عقبة بن عامر، وقد حَكَم مصرَ فيما بعد. له مصحَفٌ وجِدَ سنة 313 ﻫ/ 925 م، ولكنه مفقود الآن.
4. مصحف المقداد بن الأسود.
5. مصحف أبي موسى الأشعريّ. انتشر مصحفه في البصرة، وكان شبيهاً إلى حدٍّ بعيد بمصحَفَي ابنِ مسعود وأُبَيّ ابن كعب. عُرِفَ بمخالفته لمصحفِ عثمان.
6. مصحف أُبّيّ بن كعب.
7. مصحف عبد اللهِ بن مسعود.
8. مصحف عائشة.
9. مصحف علي بن أبي طالب.
10. مصحف عبد الله بن الزبير.
11. مصحف عبد الله بن عمر.
12. مصحف أم سلمة زوج مُحَمَّدٍ (عالم المعجزات 164 ـ 166، قارن: نلدكه 259 ـ 261. حيث يورد قائمة أقل عدداً، وقارن أيضاً مع السجستاني 92 ـ 98).
وأوردت المصادر أسماء شخصيات من الجيل الثاني من المسلمين (التابعين) الذين كان لديهم مصاحف خاصة بهم، وهم: عبيد بن عمير الليثي، عطاء بن أبي رباح، عكرمة، مجاهد، سعيد بن جبير، الأسود بن يزيد، علقمة بن قيس، مُحَمَّد بن أبي موسى، حطان بن عبد الله الرقاشي، صالح بن كيسان، طلحة بن مصرف (السجستاني 98 ـ 102).

#منقول


Author Image

Richard

باحث وناقد في الإسلام وكتبه .

أضف تعليق: