۞ لنبدأ بخلق السماء والارض كما يراه العلماء. فالدكتور موريس يخبرنا ( أنه في البداية كان العالم عبارة عن كتلة من غازات الهايدروجين والهيليوم، تُسمي ” Nebula “. وبالتدريج انقسمت هذه الغازات الى كُتل مختلفة الحجم، بعضها يبلغ مائة بليون مرة حجم الشمس. وحجم الشمس يساوي 300000 مرة حجم الكرة الارضية. وكنتيجة لهذا الانقسام تكونت المجرات التي تحتوي على بلايين النجوم، بعضها أضعاف حجم شمسنا. وكذلك تكونت الكواكب مثل ألارض وزحل والمريخ. ولابد أن تكون هناك أراضيٍ كأرضنا هذه لم يكتشفها العلم بعد. وعندما انقسمت هذه الغازات وكونت النجوم والكواكب، كان سطح الكواكب والنجوم في درجة عالية جداً من الحرارة نتيجة التفاعلات الذرية التي مازالت تجري في داخل النجوم والكواكب. وكان سطح الارض ساخناً جداً لا يسمح بالحياة. ولم يكن هناك أي تسلسل او إنتظام في تكوين الاجسام السماوية هذه.)


ويقول الدكتور موريس كذلك ( قد قدر العلماء عمر مجرتنا هذه بعشرة بلايين سنة، وشمسنا وأرضنا عمرهما حوالى أربعة بلايين ونصف البليون من السنين. والمجرة التي نحن بها ” The Milky Way” تحتوي على مائة بليون نجم، ويصعب تخيل حجمها إذ يحتاج الضوء لمدة 90000 سنة ضوئية ليسافر من طرف مجرتنا الى طرفها ألآخر).

هذا ما يقول به العلم الحديث باعتراف الدكتور موريس. وألان أنظر ما ذا يقول القرآن: ” قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق ألارض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيامٍ سواء للسائلين. ثم أستوى الى السماء وهى دخان فقال لها وللارض إئتيا طوعاً أو كُرهاً قالتا أتينا طايعين. فقضهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماءٍ أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم”.
فالله هنا خلق ألارض وهي كوكب واحد في يومين، ثم جعل فيها رواسي وقدر فيها أقواتها وبارك فيها في أربعة أيام، ثم استوى الى السماء وهي دخان، وخلق كل هذه المجرات التي ذكرنا سابقاً والشمس وبلايين النجوم التي يصل حجم بعضها الى ملايين المرات مثل حجم الشمس، التي يبلغ حجمها 300000 مرة حجم الارض، وخلق كذلك عدة كواكب منها عدد يشبه أرضنا، ربما سيكتشفها العلم في المستقبل، كما يقول الدكتور موريس، خلق كل هذا في يومين فقط. فهل يتفق هذا مع العلم الحديث؟

الدكتور موريس يقول إن ألايام هنا لا تعني نفس ألايام التي نعرفها نحن، وأن الله قصد بها فترات من الزمن قد تصل الى آلاف السنين لليوم الواحد. وحتى لو أخذنا بهذا الرأي، فيجب أن تكون الفترات متساوية في الطول الزمني حتى يتسنى لنا استعمالها كمقياس للزمن. فكيف يخلق الله كوكباً واحداً في فترتين، ويقدر في هذا الكوكب قوته في أربعة فترات ثم يخلق نجوماً لا تُحصى على مسافات يصعب تخيلها في فترتين فقط؟ فالمنطق يُخبرنا أن هناك شئ غير مقبول في هذه النسب الحسابية. فالدكتور موريس قد أخبرنا سابقاً أن عمر مجرتنا عشرة بلايين سنة وعمر الشمس وألارض إربعة بلايين ونصف البليون سنة، فلا بد أن تكون معظم نجوم مجرتنا إن لم نقل كل المجرات ألاخرى قد خُلقت قبل الارض. ولكن ألآيات السابقات تخبرنا أن الله قد خلق الارض أولاً ثم السماء وزينتها من الكواكب.

وفي نفس ألآية يخبرنا القرآن أن الله قدر في الارض أقواتها، يعني الاشجار والنباتات الاخرى كقوت للحيوانات في اربعة أيام أو اربعة فترات كما يحب الدكتور موريس، قبل أن يخلق السماء. والعلم الحديث يخبرنا أن الحياة ابتدأت من حيوانات ذات خلية واحدة تكونت في الماء ومنها ابتدأت الحياة النباتية وبعد ملايين السنين ظهرت الحيوانات البدائية. والدكتور موريس يوافق على هذا الراي.
وكذلك يقول الدكتور ان المحيطات والماء ظهر على الارض قبل حوالى نصف بليون عام تقريباً. فإذاً النباتات ظهرت قبل نصف بليون سنة على أكثر تقدير، وقد يكون أقل من ذلك بكثير. فإذاً تقدير أقوات الارض لم يتم الا قبل بضع ملايين من السنين في حين أن ألارض عمرها أربعة بلايين ونصف البليون سنة. وبما أن الله لم يخلق السماء إلا بعد أن اكمل تقدير قوت الارض، نستطيع أن نقول أن ألسماء عمرها لا يزيد عن بضع ملايين سنة. ولكننا نعرف ألان أن عمر مجرتنا عشرة بلايين من السنين، ناهيك عن المجرات ألاخرى. فأين علم القرآن هنا من العلم الحديث؟

۞ ثم أنظر الى سورة النازعات، ألآيات 27-33:
27- ” أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها”
28- ” رفع سمكها فسواها”
29- ” وأغطش ليلها وأخرج ضحاها”
30- ” وألارض بعد ذلك دحاها”
31- ” أخرج منها ماءها ومرعاها”
32- ” والجبال أرساها”
33- ” متاعاً لكم ولانعامكم”

فالقرآن هنا يخبرنا أن الله خلق السماء وسواها، وخلق الليل والنهار أي خلق الشمس ثم بعد ذلك دحا الارض أي سطّها واخرج منها الماء. فإذاً نستطيع أن نقول أن الله خلق الارض بعد أن خلق السماء، وهو عكس ألآيات السابقات، أو أنه خلق ألارض أولاً لكنها كانت مكورة فبسطها وسطّحها بعد أن خلق السماء، ويكون هذا اعترافاً بأن الارض مسطحة.

وألآية 31 تخبرنا انه أخرج من الارض ماءها ومرعاها بعد أن خلق السماء، وبما أن النباتات لا تنمو إلا بالماء، فإن الله يكون قد خلق السماء والنجوم قبل ان يسطح الارض ويخرج منها النبات الذي هو أقوات ألارض. وهذا كذلك عكس ما أخبرنا القرآن سابقاً، إذ أنه قال أن الله قد قدر أقوات الارض في اربعة أيام قبل أن يخلق السماء في يومين.

وقد تنبه بعض المفسرين الى هذا الاختلاف في خلق الارض والسماء وقال بعضهم أن ” بعد ذلك” تعني ” ومع ذلك” وليس بعد أن خلق السماء، وعلق القرطبي على ذلك بقوله:” فان قال قائل: فانك قد علمت ان جماعة من اهل التاويل قد وجهت قول الله ” والارض بعد ذلك دحاها” الي معني ” مع ذلك دحاها” فما برهانك علي ما قلت من ان “ذلك” بمعني “بعد” التي هي خلاف “قبل”
قيل: المعروف من معني “بعد” في كلام العرب هو الذي قلنا من انها بخلاف معني ” قبل” لا بمعني “مع” وانما توجه معاني الكلام الي الاغلب عليه من معانبه المعروفه في اهله، لا الي غير ذلك.”

۞ وفي سورة هود الآية السابعة نجد: ” وهو الذي خلق السموات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء”. وسئل ابن عباس، كما يقول ابن كثير في تفسيره، عن قوله ” وكان عرشه على الماء” على اي شئ كان الماء؟ قال: كان على متن الريح. فاذاً اول شئ خلق الله كان الريح ووضع عليها الماء ثم وضع عرشه على الماء قبل أن يخلق الارض والسماء.

واذا كنا نتحدث عن العلم البحت، فليس من الممكن ان يحمل الريح الماء الذي يجلس فوقه العرش. واذا كنا نقصد أن الماء هو السحاب، فالريح يمكن ان تحمل السحاب ولكن لا يمكن للسحاب، وهو بخار الماء، ان يحمل العرش. واي انسان رأى الضباب، وهو سحاب على مستوى منخفض، يعرف انه لا يستطيع ان يحمل اي شئ، ناهيك عن العرش.

وهذه طبعاً فكرة مأخوذه من اليهودية. ففي سفر التكوين، الاصحاح الاول، نجد في البدء خلق الله السموات والارض وكانت الارض خاوية خالية وعلى وجه الغمر ظلامٌ وروح الله يُرف على وجه المياه. وقال الله: ” ليكن نورٌ، فكان نورٌ. وراى الله ان النور حسنٌ. وفصل الله بين النور والظلام. وسمى الله النورَنهاراً، والظلامُ سماه ليلاً. وكان مساءٌ وكان صباحٌ: يومٌ أولٌ.

وقال الله: ليكن جَلدٌ في وسط المياه وليكن فاصلاً بين مياه ومياه”. فكان كذلك. وصنع الله الجَلَدَ وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد. وسمى الله الجلد سماءً. وكان مساءٌ وكان صباحٌ، يومٌ ثان.

وقال الله: ” لتتجمع المياه التي تحت السماء في مكان واحد وليظهر اليبس”. فكان كذلك. وسمى الله اليبس أرضاً وتجمع المياه سماه بحاراً. وراى الله ان ذلك حسنٌ. وقال الله: لتنبت الارضُ نباتاً عُشباً يُخرج بزراً وشجراً مثمراً يُخرج ثمراً بحسب صنفه بزره فيه على الارض” فكان كذلك. فأخرجت الارض نباتاً عُشباً يُخرج بزراً بحسب صنفه وشجراً يُخرج ثمراً بزره فيه بحسب صنفه وراى الله ذلك حسنٌ. وكان مساء وكان صباحٌ: يومٌ ثالثٌ.

وقال الله: ” لتكن نيراتٌ في جَلد السماء لتفصل بين النهار والليل وتكون علاماتٍ للمواسم والايام والسنين…..وهكذا تستمر قصة الخلق.
وحتى اليهودية ربمااخذت الفكرة من البابليين القدماء، الذين قالوا، كما رأينا في المقدمة، ان الآلهة ظهروا، كل إلآهين مع بعض، من ماء مقدس كان موجوداً منذ القدم. واكبر ثلاثة من الآلهة كانوا: أبسو Apsu” إله المياه العذبة، وزوجته ” تيامات Tiamat” إلهة المياه المالحة، و ” مومو Mummu” إله الفوضى. وخلقت الالهة بقية العالم.

۞ ويستمر تسلسل الخلق في القرآن فيقول في سورة الذاريات، الآية 47: ” والسماء بنيناها بايدٍ وانا لموسعون”. فالله قد بنى السماء اما بأيديه او كلف الملائكة ببنائها. وهذا دليل قاطع ان السماء صلبة وبُنيت بايدٍ، وقال الله هذا القول لتأكيد ان السماء صلبة، لانه في العادة اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون. فلو اراد الله للسماء ان تكون لقال لها: كوني، فكانت. لكنه للتأكيد قال بنيناها بأيد.

ويقول الدكتور موريس ” وإنا لموسعون” تعني أن الكون أو السماء ما زال يتوسع وينتشر. وهذه حقيقة علمية لكون دوران المجرات يخلق قوة ” Centrefugal Force ” تجعلها تبتعد عن بعضها البعض. ولكن كلمة موسعون في اللغة تعني المال والغنى. وإذا قلنا أوسع الرجل يعني أصبح ذا غنى ومال. ويقول القرطبي في تفسيره لهذه ألاية: أن الله غني وسيوسع الرزق لعباده. فكون المجرات ما زالت تبتعد عن بعضها البعض اي تتوسع، لا تعني بالضرورة ان القرآن قصد هذا عندما قال ” وانا لموسعون”.

۞ وهناك من يقول أن السماء هو كل ما سما فوقك أي أرتفع، وبالتالي يكون الهواء سماء. ولكن الدليل ان السماء صلبة نجده في سورة الحج كذلك، الآية 65: ” ويمسك السماء ان تقع على الارض الا بإذنه”. وطبعاً لا يمكن ان يقع الهواء على الارض، فلا بد ان تكون السماء صلبة لتقع على الارض.

وهناك دليل آخر في سورة الانبياء، الآية 104: ” يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب”. فلا بد ان تكون السماء صلبة ومسطحة حتى يتسنى له أن يطويها كطي الصحيفة. فكل هذه الآيات تخبرنا ان السماء صلبة ومحسوسة وبنيت وسوف تُطوى كطي السجل.

ثم نزيد قليلاً في ذلك ونرى ان القرآن يقول في سورة نوح، الآية الخامسة عشر: ” ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً”. فاذا كانت السماء صلبة، وخلق الله سبع سموات طباقاً، وزينهن بالقمر والنجوم، فلا بد ان يكون القمر والنجوم في السماء الدنيا حتى نراهن. وقد قال الله في سورة الصافات، الآية السادسة: ” انا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب”.
وفي العقود القريبة الماضية وصل الانسان الى القمر ومشى فوقه ولم ير اي سماء. فهل نفهم من ذلك ان القمر معلق بين السماء والارض؟ وماذا عن الكواكب، فقد وصلت المركبات الفضائية الى المريخ ولم تعثر على سماء. والتلسكوبات الفضائية الحديثة خاصة تلسكوب ” هوبارد” الذي يحوم في الفضاء الخارجي للارض، مكننا من ان نرى نجوماً تبعد عن الارض بلايين الاميال، ويستغرق ضوء بعض هذه النجوم ملايين السنين ليصل الينا، ، ولكن حتى ألان لم نر سماءً. فما الذي حدث هنا؟ اما ان لا يكون هناك سماء، او ان السماء ليست صلبة، وبالتالي نجد مشكلة في تفسير الايات السابقة التي تقول أن السماء بنيناها بأيدٍ ويمكن ان تقع على الارض.

وسورة الطور، الآية الرايعة وما بعدها، تقول: ” والطور، وكتابٍ مسطور، في رقٍ منشور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع “. وفي قصة الاسراء والمعراج يحدثنا روح بن جناح عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابي هريرة عن النبي (ص) انه قال: ” في السماء السابعة بيت يقال له المعمور بحيال الكعبة وفي السماء الرابعة نهر يقال له الحيوان يدخله جبريل كل يوم فينغمس فيه انغماسة ثم يخرج، فينتفض انتفاضةً يخر عنه سبعون الف قطرة يخلق الله في كل قطرة ملكاً يؤمرون الى البيت المعمور فيصلون فيه”. وفي الصحيحين ان رسول الله (ص) قال في حديث الاسراء بعد مجاوزته الى السماء السابعة: ” ثم رُفع بي الى البيت المعمور واذا هو يدخله كل يوم سبعون الفاً لا يعودون اليه”.

ولو صدقنا قصة الاسراء والمعراج كما يرويها المفسرون، والبيت المعمور هذا، فلا بد ان يكون النبي قد سافر كل هذه البلايين من الاميال في ليلة واحدة ورجع للارض، وفي هذه الحالة يكون قد سافر بسرعة تفوق سرعة الضوء، وهذا مستحيل اذا كنا نتكلم عن العلم ومعجزة القرآن العلمية، او تكون الرحلة كلها ميتافيزيقية، وبالتالي لم يصعد فعلياً الى السماء السابعة ولم ير آدم في السماء الدنيا وابراهيم في السماء السادسة وسدرة المنتهى في السابعة، او البيت المعمور

۞ ونفهم من العرض الذي سبق ان الارض مسطحة واراد الله ان يحفظ توازنها فالقى بها جبالاً ليمنعها ان تنقلب بنا. وهذه الفكرة قديمة قدم التاريخ، فالمصريون القدماء قبل حوالي الفين عام قبل الميلاد، زعموا ان الارض مسطحة ومستديرة كالقرص، وان مصر في وسطها وبلاد العالم الاخري، خاصة التي بها جبال، في اطراف القرص لتحفظ توازنه.

والدكتور موريس يعترف أن الرسول واصحابه كانوا يعتقدون أن ألارض مسطحة عندما يقول: ” من السهل على انسان اليوم ان يفهم توالي الليل والنهار لانه يعرف ان الارض تدور حول نفسها، والقرآن وصف هذه الحركة كأنما مفهوم ان الارض مكورة كان مفهوماً في تلك الايام، ولكن هذه لم تكن الحالة في تلك الايام”. إذاً النبي محمد لم يكن يعرف أن ألارض كروية وإلا لأخبر أصحابه بذلك. فإذا كان الناس الذين نزل عليهم القرآن لا يعرفون أن الارض مكورة، ورسولهم لم يخبرهم بذلك، ربما لانه ما كان يعرف ذلك، فهل نفهم أن القرآن قصد مخاطبة الاجيال المستقبلية عندما قال بتتابع الليل والنهار؟

قد رأينا أن فكرة أن الارض مسطحة كانت سائدة في العصور البدائية وحتى بعد الميلاد عندما دافعت الكنيسة عن فكرة أن الارض مسطحة. ولكن في القرن السادس قبل الميلاد قال بعض اعضاء جمعية ” Pythagoreans ” في جنوب ايطاليا، وهذه الجماعة مسماة على عالم الرياضيات ” Pythagorus “، قالوا ان الارض كروية وتدور حول نفسها، وقد ذكر هذا الدكتور موريس في كتابه. فإذا كانت فكرة أن الارض كروية كانت معروفة منذ ستة قرون قبل الميلاد، كيف نفسر أن القرآن ظل يكرر ان الله دحا وبسط الارض، وأن الرسول وأصحابه لم يكونوا يعرفون أن الارض مكورة؟
وقد تعرض أعضاء جمعية Pythagorus الى القتل والتعذيب من قبل الكنيسة، مما اضطر بعضاً منهم للهرب الى اليونان وانشاء مذهبهم او مدرستهم هناك. واي شخص تجرأ وعارض فكرة ان الارض مسطحة وان الشمس تدور حول الارض، قُتل او عُذب. وحتى في القرن الخامس عشر للميلاد، عندما قال كوبرنكس ” Copernicus ” العالم البولندي، ان الارض تدور حول نفسها وتدور كذلك حول الشمس، اتهموه بالذندقة، ولولا انه مات بعد نشر نظريته بوقت قصير، لحاكموه بالذندقة وقتلوه، كما حاكموا جاليليو ” Galileo ” في عام 1534 في ايطاليا عندما قال ان الشمس ليست مركز الكون. وقد حكموا على جليليو بالحبس المنزلي ولم يسمحوا له بمغادرة بيته، حتى مات بعد ثماني سنوات من نشر نظريته.

وبما انهم كانوا يعتقدون ان الارض مسطحة، نجد القرآن يخبرنا ان الله ألقى في الارض رواسي كي لا تميل بنا. ونفهم من هذا ان الله ألقى الجبال من السماء على الارض، لان الالقاء يكون من اعلى الى اسفل. ولكننا ألان نعلم ان الجبال لم تُلقى بل ارتفعت من داخل الارض نتيجة البراكين العديدة عندما كانت الارض ساخنة بعد انفصالها من الشمس.
وبمناسبة الحديث عن السماء، دعنا ننظر للآية 43 من سورة النور: ” ألم تر ان الله يزجي سحاباً ثم يُؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من بَرَد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء”.ٍ يقول ابن كثير: من جبال فيها من برد معناه ان في السماء جبال بَرَد ينزل الله منها البَرَدَ. “. ( أنظر تفسير أبن كثير للآية). ولكن الدكتور موريس يقول في شرح هذه ألآية: ” أن الله يُنزل من السماء جبال برد”. وهذا طبعاً تغيير كامل للآية التي تقول: ” وينزل من السماء من جبال فيها من برد”. ونحن نعرف الان ان ليس في السماء جبال من ثلج ينزل منها البَرَدُ او الجليد. والبَرَد هو عبارة عن قطرات مطر تجمدت اثناء نزولها من السحاب لشدة برودة الطقس، وكذلك الجليد يتكون عندماء يكون الطقس بارداً ولكن اقل برودة من الطقس الذي يسبب البَرَد. فالعلم هنا ابعد ما يكون عن منطق القرآن.

۞ والعرب كغيرهم من الناس منذ بدء الحياة على ألارض قد لاحظوا أن الشمس تشرق من الشرق وتبدو كأنها تسير نحو الغرب وتختفي في الافق لتظهر لهم مرة أخرى من الشرق. وكذلك يتغير شكل ومجرى القمر. وهذه ملاحظة بسيطة لا تحتاج لذكاء أو لعلم. وأخذ القرآن هذه الملاحظة البسيطة وكررها في عدة سور ليؤكد ان الشمس والقمر كلُ يجري لأجل مسمى:

” الله الذي رفع السموات بغير عمدٍ ترونها ثم أستوى على العرش وسخر الشمس والقمر كلُ يجري لأجلٍ مسمى”
” ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كلٌ يجري الى أجلٍ مسمى”
” يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كلٍ يجري لأجل مسمى”
” يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كلٌ يجري لأجل مسمى”
” وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كلٌ في فلكٍ يسبحون”
ونلاحظ هنا أن القرآن لم يذكر ولو مرةً واحدةً أن الارض تجري لأجل مسمى. والسبب طبعاً أنهم كانوا يعتقدون ان الارض مسطحة وثابتة والشمس تجري حولها، وهذه كانت الفكرة السائدة في تلك الحقبة من الزمن، وكانت تعتمد على ملاحظة أن الشمس تشرق من الشرق وتغرب في الغرب، وتبدو كأنها تسير و تجتاز السماء من الشرق الى الغرب، وكذلك القمر. والدكتور موريس يقول: ( يثبت القرآن أن الشمس تجري في فلك، ولكنه لا يحدد صلة هذا الفلك للارض. ففي زمن نزول القرآن كانوا يعتقدون أن الشمس تتحرك وأن الارض ثابتة. وهذه كانت النظرية الشائعة منذ زمن بطليموس في القرن الثاني قبل الميلاد، واستمرت حتى أيام كوبرنكس في القرن السادس عشر بعد الميلاد. ومع أن الناس في أيام محمد كانوا يوقنون بهذه الفكرة، إلا أن القرآن لم يذكرها اطلاقاً).
ويحق لنا أن نسأل لماذا لم يذكر القرآن أن الارض كروية وتتحرك، ليثبت للعرب أن بطليموس كان خاطئاً وانه لا يعلم اسرار الكون كما يعلمها الله الذي خلق الكون؟ فالقرآن، كما يخبرنا الدكتور موريس وأمثاله، كتاب أحتوى كل تفاصيل العلم الحديث عندما نزل في القرن السابع الميلادي، وليس هناك ما يظهر من اكتشافات في العلم الحديث إلا وكان القرآن قد ذكرها.

ونحن الان نعرف أن القمر يدور حول نفسه وكذلك يدور حول الارض في تسعة وعشرين يوماً ونصف اليوم. والارض نفسها تدور حول نفسها في 24 ساعة وتدور حول الشمس في 365 يوماً. والشمس تدور حول نفسها في 25 يوماً ولا تدور حول شئ آخر. وكل المجرة بما فيها الشمس والقمر والارض، تدور حول مركز المجرة في حوالي 250 مليون سنة تقريباً.

ويتضح من هذا أن الشمس أقل دوراناً من الارض، والارض أقل دوراناً من القمر. فما دامت الشمس أقل دوراناً من ألارض، لماذا ذكر القرآن أن الشمس تجري لمستقر لها ولم يذكر الارض التي تجري أكثر من جريان الشمس؟ ولماذا لم يذكر بقية النجوم والكواكب، وكلها يجري لمستقر له؟

۞ الجنين:
يأكد لنا العلماء المسلمون ان القرآن صالح لكل زمان ومكان وانه يواكب تطور العلم الحديث وعنده الجواب لكل شئ. فدعنا ننظر الى خلق الجنين لنرى اذا كان القرآن فعلاً قد سبق تطور العلم. فالقرآن يخبرنا في سورة الطارق، الآية الخامسة وما بعدها: ” فلينظر الانسان مما خُلق، خُلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب “. وتفسير العلماء ان الماء الدافق هو المني يخرج دافقاً من الرجل ومن المرأة، فيتولد منه الولد.
وطبعاً ليس للمرأة ماءٌ دافق كالرجل. وليس لها ماء اطلاقاً غير السوائل المخاطية التي يفرزها المهبل عند تهيج المرأة قبل بدء الجماع، لتسهيل عملية الايلاج. وهذه السوائل لا تلعب اي دور في خلق الجنين. وعليه فإن الجنين يُخلق من الماء الدافق الذي يخرج من الرجل. وهذه طبعاً نصف القصة، فلا بد من بويضة المرأة لتكوين الجنين، والقرآن لا يذكر دور المرأة في تكوين الجنين. وقد يكون هذا مفهوماً في ذلك الوقت اذ ان كل ما رأوه كان المني يخرج من الرجل ولم يروا البويضة.
ومن اين يخرج هذا الماء الدافق من الرجل؟ يخرج من بين الصلب والترائب. والمفسرون لم يتفقوا على ماهي الترائب. وسئل ابن عباس: ماهي الترائب؟ قال هذه الترائب، ووضع يده على صدره. واما مجاهد فقد قال: الترائب ما بين المنكبين الى الصدر. وقال سعيد بن جُبير: الترائب اربعة اضلاع من الجانب الاسفل. واما الضحاك فقد قال: الترائب ما بين الثديين والرجلين والعينين. ومعمر بن ابي المدني قال انه بلغه في قول الله عز وجل ” يخرج ما بين الصلب والترائب” هو عُصارة القلب، من هناك يكون الولد. واما قتادة فيقول ان الماء الدافق يخرج من بين صلب الرجل ونحره، حسب تفسير ابن كثير. وقول قتادة هو الذي كان سائداً في ذلك الوقت، وحتى الوقت الحالي. فمعظم الناس يعتقدون ان المني يخرج من الظهر، ولذلك يقولون فلان ابن ظهر فلان. والرجل يقول هذا ابني من ظهري.
والحقيقة ان المني لا يخرج من الظهر ولا من بين الصلب والترائب. فالمني يتكون في جهاز خاص به تحت مثانة البول، يسمى البروستاتة، وكذلك من اكياس صغيرة بجنبي البروستاتة وعلى اتصال بها، تسمى ” Seminal Vesicles” أي الاكياس المنوية، والحيوانات المنوية تتكون في الخصيتين، ثم يجتمع الاثنان ويخرج المني وقت الجماع ليختلط ببويضة المرأة ومنهما يتكون الجنين.

۞ فعلم الاجنة كما درسناه لا يتحدث عن دخول ملائكة الى رحم المرأة الحامل لتنفخ الروح في جنينها. وقد تكون هذه وقفة مناسبة نسأل فيها الدكتور، من ينفخ الروح في أجنة الكلاب وهي في أرحام أمهاتها؟ فنحن نعلم من الاحاديث النبوية ان الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب. وبالتالي نستطيع ان نقول ان الملائكة لن تدخل رحم كلبة حبلى، فمن أين تأتي الروح لأجنة الكلاب؟ هل ينفخها الشيطان أم تدخل في الكلب دون ان تُنفخ. فإن كان الاخير، فلا داعي إذاً لملك ينفخ الروح في الجنين.

۞ وأما لماذا يشبه المولود أباه أو أمه؟ فنحن الآن نعرف أن ذلك ناتج عن جينات الوراثة التي يكتسبها الطفل من ابويه وقت تلقيح البويضة، فإذا كثرت جينات الاب صار الطفل أشبه بأبيه، وإن كثرت جينات الام ، صار أشبه بأمه. ولا بد للطفل ان يرث جينات من أمه وأخرى من ابيه وبذا يكتسب بعض الصفات من الام والبعض الاخر من الاب. ولكن أنظر ماذا يقول علماء الاسلام.
في صحيح مسلم عن عائشة: أن أمرأة قالت لرسول الله (ص) هل تغتسل المرأة اذا احتلمت فأبصرت الماء؟ فقال: نعم، فقالت عائشة: تربت يداك، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: دعيها وهل يكون الشبه الا من قٍبل ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل – أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه.
هذا الحديث لا شك ألفه رجال لا يعرفون أي شئ عن الفيسيولوجي. فالمرأة إذا احتلمت لا يخرج منها مني، وإذا جامعت الرجل لا يخرج منها ماء ليعلو ماء الرجل أو ليعلوه ماء الرجل. فقد ذكرنا سابقاً ان المهبل وبعض الغدد في شفائف المهبل تفرز مادة لزجة عند التهيج وقبل بدء الجماع لتسهيل عملية الايلاج، ولكن عندما تتهيج المرأة اثناء الجماع ” Orgasm ” فلا يخرج منها ماء حتى يعلو ماء الرجل أو يعلوه ماء الرجل.

۞ ولسبب ما يقول القرآن عن المني أنه ماء مهين بعد أن كان ماءً دافقاً. ففي سورة السجدة ألآية 8 يقول: ” ثم جعلنا نسله من سلالةٍ من ماء مهين”. وفي سورة المرسلات، ألآية 20 يقول: ” ألم نخلقكم من ماءٍ مهين”. ولا أجد أي سبب يجعل المني مهين، لأنه لو كان المني مهين فإن الانسان الذي يُخلق منه يصير مهيناً كذلك، لأن الفرع يتبع ألاصل. لكن الدكتور موريس قدّم تفسيراً من عنده فقال: ( وصف المني بانه مهين ناتج عن كونه يخرج من مجري البول). ماذا إذاً عن الجنين وهو يخرج من الفرج الذي يخرج منه الحيض، وهو انجس شئ في الاسلام وفي اليهودية كذلك، ويخرج منه البول كذلك، رغم ان البول له مخرج خاص لكنه يفتح داخل شفائف الفرج، وبالتالي يخرج البول من الفرج، فهل يكون الفرج قذراً؟ والمني القذر هذا يُسكب في المهبل وبالتالي يجب أن يكون المهبل قذراً لانه يحتوي على مني قذر. فهل يا تُرى يكون الجنين مهيناً وقذراً لانه يخرج من المهبل؟

۞ ونحن نعرف أن مدة الحمل عند النساء تسعة أشهر قد تزيد بأسبوعين او ثلاثة، وبعدها يموت الجنين إذا لم يولد لان المشيمة تتصلب أوعيتها الدموية بعد هذه المدة ولا تستطيع تغذية الجنين، فيموت. ولذا لا يسمح الاطباء للحمل ان يستمر اكثر من اسبوعين أو ثلاثة بعد اكتمال مدته، وفي هذا الاثناء تكون المرأة تحت مراقبة مستمرة لمعرفة حال الجنين. وعند ظهور أول علامات مضايقة الجنين من عدم وصول الاوكسجين اليه بكمية وافرة، يتدخل الاطباء لإنهاء الحمل. ولكن انظر ماذا يقول علماء الاسلام: ” وأما أقصاها ( مدة الحمل) فقال ابن المنذر اختلف أهل العلم في ذلك فقالت طائفة: أقصى مدته سنتان، وروي هذا القول عن عائشة وروي عن الضحاك وهرم بن حيان: أن كل واحد منهما أقام في بطن أمه سنتين وهذا قول سفيان الثوري. وفيه قول ثاني: وهو أن مدة الحمل قد تكون ثلاث سنين. روينا عن الليث بن سعد أنه قال حملت مولاة لعمر بن عبد الله ثلاث سنين، وفيه قول ثالث: أن أقصى مدته أربع سنين هكذا قال الشافعي.

۞ ولننظر الان الى سورة النحل، الآية 66 : ” وإن لكم في الانعام لعبرةٌ نُسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين “. فلنرى اولاً ماذا يقول ابن كثير في تفسيره لهذه ألآية. يقول: لبناً خالصاً اي يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كلٌ الى موطنه اذا نضج الغذاء في معدته، فينصرف منه دم الى العروق ولبن الى الضرع وبول الى المثانة وروث الى المخرج وكل منها لا يشوب الاخر ولا يمازجه. والفرث هو مافي امعاء الحيوان من فضلات ، ومنه يتكون الروث او البعر.

واي انسان لديه قليل من العلم يعرف ان اللبن لا يتكون في بطن البقرة او النعجة وانما في الضرع، وليس هناك اي مجال لاختلاط اللبن بالروث او بالدم. ولذا قوله ” نسقيكم مما في بطونه من بين رفث ودم “، لا يمت للعلم بشئ.



Author Image

Richard

باحث وناقد في الإسلام وكتبه .

أضف تعليق: