نظرة سريعة على نظرية  محاربة الإرهاب 


يرفعون شعارات محاربة الإرهاب أمام العالم ، وكتبهم و مساجدهم تعج بالإرهاب ، في مقدمتها القران  ، يريدون تنقية التراث ؟ عجيب هل من الممكن أن يحرف التراث ليفي بغرض التجميل ؟ هل يستمر المسلمون في صنع محمد بن أمنة عظيما للبشرية وهو من اكبر سفاحي التاريخ ؟



كثيرا ما نسمع عقب كل تفجير إرهابي أو حتى فتأوي غريبة على الذوق العام ، تتسارع أصوات الأبواق لتردد نفس العبارات : " هذا لا يمثل الإسلام  ، الإرهاب لا دين له ، هؤلاء شوهوا الإسلام ....." وكل العبارات المستنسخة من هذه الصيغة ، التي ترددها الأبواق الإعلامية  المشترىة أو المملوكة من طرف دول و أمراء البترول ، وحتى الوسائل الإعلامية الغربية ، وكثيرا ما يرسم المسلمون صورة مثالية عن الإسلام و مؤسسه محمد بن أمنة  ، تكسوها هالة القدسية الغير قابلة للنقد أو الاعتراض ،  باحثين بلهث عن روايات حتى ولو كانت ضعيفة عن سماحة الإسلام ، في كتب التراث أو الاستشهاد بآيات مكية  منسوخة وتجاهل الآيات المدنية المحرضة ضد التعايش و الرافضة للمخلفين عن الدين ، والداعية للجهاد حتى تعطى الجزية عن يد وهي صاغرة و يكون الدين كله لله " الله الإسلامي الذي اخترعه محمد بن أمنة وسخره لخدمة مصالحه ' "غير مبالين بتحليل القضية عن طريق البحث أو التنقيب عن الحقيقة  التي يخفيها الشيوخ وكهنة الإسلام عنهم ، هؤلاء الذين يعرفون حقيقة النصوص القرآنية والروايات في التاريخ الإسلامي ، لكنهم يمارسون مبدأ التقية والكذب الحلال  بكل فنونه : المعاريض و التورية ، لتحسين صورة الذين وعدم تنفير المسلمين منه ،  ولا يجرؤون على الاعتراف إلا في المناسبات التي  تتحقق فيها قوتهم وتمكنهم ، والتاريخ والأحداث شاهدان على ذلك .الإسلام يتغير وجهه بتغير الظروف ، وأبسط مثال الأزهر الذي يدعي محاربة الإرهاب و تجديد الخطاب الديني ، هذه المؤسسة الدينية الكبيرة في العالم تعج مقرراتها بكتب تمتلئ بتعاليم الحقد و العنصرية و اللاانسانية ، وهكذا اطل علينا مؤخرا وزير الأوقاف المصري " محمد مختار جمعة ''  عقب زيارة ملك السعودية إلى مصر ومنحه الدكتوراه الفخرية  و " جزيرتان " من دماء المصريين ، ولا ندري ما هي الانجازات التي قدمها للبشرية أو لبلاده ، ووصل الأمر بالوزير بأن يقول إن الجسر الذين سيتم ربه بين مصر و السعودية  هو ربط الهي مذكور في القران  . – الأزهر نتيجة طبيعية لمنبع التعليم الإسلامي، فهي أشبه بالسمكة التي لا تستطيع الخروج من الوعاء الإسلامي.


كما وصل الحال ببعض المسلمين في البلاد الإسلامية ، إلى التبرير إن الفقهاء أساؤوا تفسير القران  , وهم بهذه الحجة أو العذر يتخيلون أن بعض المذاهب قد تكون الممثلة الحقيقة للإسلام ، لأنها حسب اعتقادهم مذاهب سمحاء تتبنى الوسطية ، وعلى سبيل المثال : المذهب المالكي الذي ينتشر في شمال إفريقيا ، اذ نرى المسلمين في المغرب الكبير الأغلبية التي تمدح و تردح للإسلام ،  ليل نهار ، ويصفونه بالوسطي و الديمقراطي ، ويتحمسون لنشر الإسلام في الغرب عن طريق المنظمات الدعوية  مروجين للمذهب ،  وما أكثرهم في أوروبا ، وبهذا تصبح المملكة العربية السعودية في قفص الاتهام ، بسياساتها الداعمة للإرهاب ، وانتهاجها مذهب التطرف " الحنبلي " ومبادئ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية ،   وبذلك أصبحت المملكة الشيطان الأكبر الذي يشوه الإسلام أو ضحية التأويل الخاطئ للإسلام في نظر المغيبين الذين لا يسعون إلى الحقيقية ، بل إلى تمثيل دور الضحية التي تبذل نفسها من اجل الدين .
أمور كثيرة لا يعرفها المسلم عن دينه و مؤسسه ، اما عن جهل أو محاولة لرؤيته بأزهى الألوان  ، خال من العيوب ، لأنهم نشئوا عليه  بالوراثة ، يوفر عليهم الشيوخ مهمة البحث والتفكير .
بما أن هؤلاء يلجئون إلى مذهب المالكية على أساس انه يمثل بعضا من سماحة الإسلام المزعومة : سنأخذ مثالا عن حكم  تارك الصلاة ، على المذهب المالكي ، بما ان داعش " دولة الإسلام في العراق و الشام " تمارس وتحكم بالشريعة المحمدية ، فحتما  أنها تمارس حد تارك الصلاة ، لنلقي نظرة على رأي المالكية :

يرى المالكيّة أنّ تارك الصّلاة إختيارًا بلا عُذْرٍ دُون إنكارٍ لها يُقْتَلُ حَدًّا لا كُفرًا؛ أي يُعاقب كعقوبة الحدود الأخرى، ودليلهم على عدم تكفير تارك الصّلاة قوله تعالى: «إنّ الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» (النّساء، 48)، وأحاديث كثيرة منها: حديث عبادة بن الصّامت رضي الله عنه عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «خمسُ صلوات كتبهُنّ الله تبارك وتعالى على العباد، من أتى بهنّ لم يُضيّع منهنّ شيئا إستخفافا بحقّهنّ كان له عند الله تبارك وتعالى عهدٌ أن يُدخله الجنّة، ومن لم يأتِ بهنّ فليس له عند الله عهدٌ إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له».
"وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أوّل ما يُحاسبُ به العبدُ يوم القيامة من عمله صلاتُه، فإن صلُحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن إنتقص من فريضته شيء، قال الرّبّ عزّ وجلّ: أنظروا هل لعبدي من تطوّع، فيُكمّلَ بها ما إنتقص من الفريضة ثمّ يكون سائرُ عمله على ذلك».
"وقال الحنفيّة: تارك الصّلاة تكاسُلًا فاسقٌ يُحبسُ ويُضربُ ضربا شديدًا حتّى يسيل منه الدّمُ إلى أن يُصلّي ويتوب أو يموت في السّجن، ولا يُقتلُ عندهم لا حدّا ولا كفرا، وإستدلّوا بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحلُّ دمُ امرئ مسلم يشهدُ أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله إلّا بإحدى ثلاثٍ: الثّيّبُ الزّاني والنّفسُ بالنّفسِ والتّاركُ لدينه المفارقُ للجماعة  "
"أمّا الإمامُ أحمد فقد خالف الجمهور وقال: يُقتلُ تاركُ الصّلاة كُفرًا، وإستدلّ بقوله تعالى: «فإذا إنسلخ الأشهر الحرم فأقتلوا المشركين حيثُ وجدتموهم وخذوهم وأحصروهم وأقعدوا لهم كلّ مرصدٍ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ الله غفور رحيم» (التّوبة، 5)؛ فمن ترك الصّلاة لم يأتِ بشرط التّخلية فيبقى على إباحة القتل، فلا يُخلّى من لم يُقِم الصّلاة، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: «بين الرّجل وبين الشّرك والكفر تركُ الصّلاة»؛ فهو يدلّ على أنّ ترك الصّلاة من موجبات الكُفر.
"ومِثْلُه حديثُ بُرَيْدَةَ عن أبيه عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «العهدُ الذي بيننا وبينهم الصّلاةُ فمن تركها فقد كفر».
"وهذه الأحاديثُ ونحوها مؤوّلة عند المالكيّة بجحوده لها، كما نُقِلَ القول بكُفره عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وقد ذهبَ مذهبَ الحنابلة في القول بكُفْرِ تارك الصّلاة إبن حبيب من المالكيّة." (أ.د أحمد بوساق، الوافي في الفقه المالكي بالأدلّة، دار الحديث، القاهرة، 2009، ص 121-123)

إذن، تارك الصّلاة إختيارًا بلا عُذْرٍ دُون إنكارٍ لها، كما يقول الكاتب، يُقتلُ كُفرًا، عند الحنابلة؛ ويُحبسُ ويُضربُ ضربًا شديدًا حتّى يسيل منه الدّمُ إلى أن يُصلّي ويتوب أو يموت في السّجن، عند الحنفيّة؛ ويُقْتَلُ حَدًّا لا كُفرًا، عند المالكيّة. ثلاثة مذاهب تحكم على من ترك الصّلاة، دون أن يُنكرها كفريضة وركن من أركان الإسلام، بالموت. وحتّى في مذهب أبي حنيفة، الذي قد يرى فيه البعضُ شيئا من اللّيونة، يُضربُ تارك الصّلاة ضربًا شديدًا حتّى يسيل منه الدّمُ، فإمّا أن يعود للصّلاة أو يموت في السّجن. يعني: الموت من تحصيل الحاصل، كما يُقال. أمّا الحنابلة فيقتلونه كُفرًا، أي يُكفّرُ ثمّ يُقتل... وأمّا المالكيّة فيقتلونه تطبيقًا للحدِّ دون تكفيره.
ويضيف الكاتب بعد ذلك في مسألة "تأخير قتل تارك الصّلاة" قائلا :
"يرى المالكيّة أنّ تارك الصّلاة بلا عذرٍ يؤخّرُ وجوبا بعد الرّفع إلى الحاكم قدرَ ما يسعُ ركعة واحدة قبل خروج الوقت الضّروري إذا كانت الصّلاةُ التي إمتنع عنها فرضًا واحدا، فإن كانتا مشتركتين أُخِّرَ قدر ما يسع خمس ركعاتٍ حضرًا وثلاث سفرًا في الظّهرين، وقدر أربع ركعات حضرًا وسفرًا في العشاءين، فإن أصرّ على الإمتناع بعد إضافة قَدْرِ طُهْرٍ خفيف قُتِلَ بالسّيف حدًّا لا كُفرًا، فيُغسّلُ ويُكفّنُ ويُصلّى عليه ويُدفنُ في مقابر المسلمين، وقال أشهب: لا يُقتلُ إلّا بعد خروج وقت الصّلاة صَوْنًا للدِّماء، والمشهورُ ما تقدّمَ." (نفس المرجع، ص 123)

ولا أدري بماذا ينفعُ تكفيرُ أو عدمُ تكفير تارك الصّلاة، مادام هو في كلتا الحالتين سيتمّ قتلُه؟ وهل هناك نفعٌ أصلًا من كون جسده سيُغسّلُ ويُكفّنُ ويُصلّى عليه ويُدفنُ في مقابر المسلمين أم لا؟ أسئلة جانبيّة أتركها لذوي العقول .

ثمّ في مسألة "حكم المنكر لوجوب الصّلاة" نقرأ :
"لا خلافَ في أنّ من أنكر وُجوب الصّلاة أو أنكرَ معلومًا من الدّين بالضّرورة أنّهُ كافرٌ يُستتابُ ثلاثة أيّامٍ، فإن تابَ تُرِكَ، وإلّا قُتِلَ كُفْرًا، ومالُهُ فَيْءٌ لبيت مال المسلمين". (نفس المرجع، ص 123)

إذن، فهناك إجماعٌ في المذهب المالكي على أنّ من يُنكرُ وُجوب الصّلاة أو يُنكرُ معلومًا من الدّين بالضّرورة كافرٌ يُعطى مهلة ثلاثة أيّامٍ للتّوبة، فإن تاب تُرِكَ وإلَّا قُتِلَ كُفرًا، أي يُكفّرُ ويُقتلُ ويتمُّ إلحاق أمواله ببيت مال المسلمين .


أليس منطقيّا أن نرى أنّ السّيف الذي رفعه المسلمون في وجه العالم على مدى أربعة عشر قرنًا عاد اليوم ليحزّ أعناق أصحابه؟) مثل القاعدة وبوكو حرام والدّولة الإسلامية وغيرها من التّقيّحات الطّبيعيّة للتّاريخ الإسلامي لم تأت من فراغ وأنّ أسانيدها وأدلّة مشروعيّتها وشرعيّتها في التّراث الإسلامي المريض أكثر من أن يُنكر المسلمون (علماء سفهاء وعامّة) علاقتها بالقرآن والسّنّة والسّيرة والأحاديث والفقه الإسلامي ، فمحاربة الإرهاب لا تبدأ باجتثاث ورقة من هذا الكتاب أو ذاك ولا بتحديد موضوع خطبة الجمعة في الجوامع والمساجد ولا بتعليمات تُعطى للأئمّة والوعّاظ، ولا حتّ بِلَجْمِ الشّيوخ تمامًا ومنعهم من الظّهور خارج المساجد والجوامع وبتحديد مجال عملهم ومراقبتهم... محاربة الإرهاب يجب أن تستهدف أصل الدّاء: الإسلام نفسه، بحرق وإلغاء القرآن تمامًا لأنّه غير صالحٍ لزمننا هذا ولا لعالمنا الرّاهن ولا ينفعُ بشيء.
لكن حتّى الحدّ الأدنى من محاربة الإرهاب وجذوره لم نَرَ لهُ أثرًا يُذكر. لم نَرَ القانون يُطبّقُ على من يمتلئ اليوتيوب بخطبهم في مدح شراسة خالد بن الوليد في ذبحه لمالك بن نويرة وإغتصابه لزوجته أو تعظيم شأن محمّد بن آمنة حين سمّر أعين العرانيّين وتركهم يموتون في الحرّة بعد قطع أطرافهم أو الإعتزاز بما إرتكبه المسلمون ضدّ قبيلتي بني قريظة وبني النّضير، إلخ... ولم نر القانون يُطبّق على من يُكفّرون الكتّاب والإعلاميّين وغيرهم ويُحلّون دماءهم... لم نر القانون يُطبّق على من يغرف من قمامة كتب التّراث الإسلاميّة ويسقي النّاس في الخُطب كؤوسا مليئة بالدّم والعنف والإنحطاط... ماذا تنتظرون أن يفعل النّاسُ إذا كنتم تتركون الحبل على الغارب وتتركون حيوانات مسعورة كهؤلاء الشّيوخ والأئمّة والمشعوذين باسم ربّ الرّمال أحرارا في المجتمع؟ ثمّ تتساءلون من أين أتت الكلاب المسعورة التي تنظمّ إلى الدّولة الإسلاميّة والقاعدة وبوكو حرام وحماس وتنظيم بيت المقدس؟ ماذا لو صعد أحدهم على منصّة في دولة غربيّة ونطق بما ينطق به هؤلاء ضدّ شعبٍ آخر أو أحلّ دم شخصٍ على الملأ معتمدًا على ما في التّوراة أو الأناجيل أو أيّ كتاب ديني اخر؟ هل ستسكت السّلطات وتتركه يتكلّم كما يريدُ ويبثّ سمومه في المجتمع ويُثيرُ الحقد ويحرّض على القتل والإرهاب؟ الإجابة معروفة ولا ينكرها إلّا جاهلٌ .





Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: