فصل آخر من حياة عائشة كان بمثابة عامل مؤثر في حياة المسلمين فيما بعد ، و نقطة نزاع كادت ان تحدث شقاقا في دولة نبي الاسلام و مستقبلها السياسي في الجزيرة.
أنها اشبه بالروايات السينمائية ، أبطالها الرئيسيين عائشة و صفوان بن المعطل السلمي ، اما الشخصيات التي كانت العنصر المحرك للأحداث هي : مسطح ابن اثاثة و حسان بن ثابت شاعر الرسول ، و حمنة بنت جحش شقيقة زينب صاحبة اشهر الايات التي نزلت في شأنها إلغاءا للتبني ، بدأت الرواية حينما عاد الجيش من غزوة يقال لها : بني المصطلق حسب ماذكر في الصحيحين مسلم و البخاري تحت عنوان حديث الافك ، حينما غادرت عائشة الطفلة هودجها في الليل دون ان يلاحظ أحد غيابها بحجة ان تبحث عن عقد لها قيل انه ملك أختها ! استكمل الجيش طريقه و شد رحاله حاملاً الهودج بدون صاحبه لان النساء كنا خفافا آنذاك انما يأكلن العلق لم يهجهن اللحم فيثقلن ، لماذا لم تستعن عائشة بمصاحبة إحدى جواريها في تلك الليلة و في ذلك المكان !
كانت دوافع عائشة قوية جداً لدرجة أنها فضلت الذهاب خفية دون أخبار أحد او اخطارهم في حال إذا افتقدها النبي الذي على مايبدو كان مشغولاً بعروسه الجديدة التي غنمها : جويرية بنت الحارث ، فمع كل غزوة على عائشة ان تتحمل نزوات النبي لانه لا ينطق عن الهوى ان هو وحي يوحى !
صادف تلك الليلة ان تلتقي مع صفوان ابن المعطل السلمي الذي قيل انه كان يضرب زوجته لأنها كانت تطيل صلاتها و هو رجل لا يصبر عليها !
لقد تعرف عليها وهي تلتحف السواد مضطجعة في مكانها تنتظر عودة أحدهم لافتقادها.
لا ندري ماذا حدث و اي تفاصيل أخرى قد حصلت سوى ان يستخدم القاريء خياله في هذه الحالة - ماذا يفعل صفوان خلف الجيش الا ان هنالك موعدا قد سبق ترتيبه بينهما ، لا أحد يعلم سوى الله و رسوله أعلم !
لقد كان منظر عائشة وهي على الجمل يتقدمه صفوان في صباح اليوم التالي منظرا غريباً جعل اهل المدينة يندهشون و يتهامسون و هم يتساؤلون : هل قضيا الليل معا !
وصلت الأقاويل إلى مسامع الزوج و كان ابن ابي سلول يقول : والله ما سلمت منه و لا سلم منها ...
استمر الناس في الحديث و استمر تجاهل النبي للأمر رغم أنه عرف بما حدث و قد تغيرت معاملته لعائشة فلم يعد لطيفاً و رقيقا معها كالسابق ، إذ يدخل عليها فيقول : تيكم ، فلا يزيد عنها !
لم تتحمل الطفلة هذه المعاملة القاسية والمشاعر الجافية فاستأذنته إلى بيت أهلها ، فما كان الا ان يأذن لها .
فمكثت اربع وعشرين ليلة وهي تجهل ما حدث الا ان أخبرها ام مسطح بنت ابي رهم بن المطلب ابن عبد مناف ، وكانت أمها بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد ابن تيم ، خالة ابو بكر الصديق.
جزعت و هرعت إلى أمها التي لم تجد سبيلاً لمؤازرتها سوى ان تقول لها ان هذا الشؤم يطالها لأنها المرأة الحسناء المحاطة بالضرائر ، ولازالت الطفلة تبكي و تتحسر لكن هل كان من الضروري ان تتصرف ذلك التصرف !
هل كانت مغامرة تستحق الخوض فيها !
لم تكن عائشة مدركة لمدى خطورة سلوكها و إنعكاس تأثيره في صالح خصوم نبي المسلمين.
كان الجميع في حالة استنفار و ترقب و انتظار و تكهن عما حدث في تلك الليلة بالضبط !
و كان النبي يقوم باستشارات متكررة بين اصحابه المقربين ، فأنشد قومه من على المنبر قائلا " 

  " مَنْ يَعْذُرُني مِمَّنْ قَدْ بَلَغني أذَاهُ في أهْلِي؟ " يعني عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر أيضا: " يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَني أذَاهُ فِي أهْلِي؟ فَوَاللهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلا ما عَلِمْتُ عَلَيْه إلا خَيْرًا، وما كانَ يَدْخُل على أهْلِي إلا مَعي"  تفسير ابن كثير لسورة النور 11 

فاشتد النزاع بين الطرفين ، بين الأوس و الخررج فكاد الشقاق ان يبلغ مداه.
في انتظار وحي من السماء لجأ النبي إلى علي بن ابي طالب وأسامة بن زيد متوسلا للخروج من هذه الازمة العاصفة بمستقبل دولته فنقرأ في السيرة الآتي :
( قالت ) فدعا علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - وأسامة بن زيد ، فاستشارهما ؛ فأما أسامة فأثنى علي خيرا وقاله ؛ ثم قال : يا رسول الله أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا ، وهذا الكذب والباطل وأما علي فإنه قال : يا رسول الله إن النساء لكثير ، وإنك لقادر على أن تستخلف ، وسل الجارية ، فإنها ستصدقك .
دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريرة ليسألها ؛ قالت : فقام إليها علي بن أبي طالب ، فضربها ضربا شديدا ، ويقول : اصدقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : فتقول والله ما أعلم إلا خيرا ، وما كنت أعيب على عائشة شيئا ، إلا أني كنت أعجن عجيني ، فآمرها أن تحفظه ، فتنام عنه ، فتأتي الشاة فتأكله .
السيرة النبوية لابن هشام » غزوة بني المصطلق » خطبة الرسول في الناس يذكر إيذاء قوم له في عرضه.
لم يأت غيث السماء و لم يتكلم جبريل بعد في القضية ، فلجأ النبي إلى أسلوب الترهيب النفسي و التأثير على ضمير الطفلة عائشة لعلها تعترف بالخطيئة .
وبعد أن بلغت القضيّة هذا الحدّ ، لم يكن هناك مفرّ من الذهاب إلى عائشة لمصارحتها بالمشكلة واستيضاح موقفها فدخل عليها النبي ومعها امرأة من الأنصار ، فجلس النبي - وتشهّد ثم قال :
( أما بعد ، يا عائشة ، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه ) ، فلما سمعت قوله جفّت دموعها ، والتفتت إلى أبيها فقالت : " أجب رسول الله فيما قال " ، فقال : " والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ، ثم التفتت إلى أمّها فكان جوابها كجواب أبيها ، وعندها قالت : " لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به ، فلئن قلت لكم أني منه بريئة - والله يعلم أني منه بريئة - لا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - لتصدقنّني ، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف حين قال :
{ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } ( يوسف : 18 ) .
قالت : فوالله ما برح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مجلسه حتى جاءه الوحي ، فسجي بثوبه ، فأما أنا فوالله ما فزعت ولا باليت ، قد عرفت أني بريئة ، وأن الله غير ظالمي ، وأما أبواي فما سري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يحقق الله ما قال الناس .
قالت : ثم سري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنه ليتحدر عنه مثل الجمان ، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول : أبشري يا عائشة ، فقد أنزل الله براءتك . فقلت : بحمد الله ! ثم خرج إلى الناس فخطبهم ، وذكر لهم ما أنزل الله في من القرآن ، ثم أمر بمسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش ، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة ، فضربوا حدهم ، وحلف أبو بكر لا ينفق على مسطح أبدا ، فأنزل الله : ولا يأتل أولو الفضل منكم الآية ، فقال أبو بكر : إني أحب أن يغفر الله لي ، ورجع إلى مسطح نفقته . ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف فضربه ، ثم قال : تلق ذباب السيف عني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر !!
فوثب ثابت بن قيس بن شماس فجمع يديه إلى عنقه ، وانطلق به إلى الحارث بن الخزرج ، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال : ما هذا ؟ فقال : ضرب حسان وما أراه إلا قتله . فقال عبد الله : هل علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء مما صنعت ؟ قال : لا والله ، قال : لقد اجترأت ، أطلق الرجل . فأطلقه ، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا حسان وصفوان بن المعطل ، فقال صفوان : هجاني يا رسول الله وآذاني ، فضربته . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحسان : أحسن يا حسان . قال : هي لك يا رسول الله ، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عوضا منها بيرحاء - وهي قصر بني حديلة ، بالحاء المهملة - وأعطاه شيرين - أمة قبطية ، وهي أخت مارية أم إبراهيم ابن رسول الله - فولدت له ابنه عبد الرحمن ، وكان صفوان حصورا لا يأتي النساء ، ثم قتل بعد ذلك شهيدا .

التاريخ والتراجم    
الكامل في التاريخ
عز الدين أبو الحسن علي المعروف بابن الأثير
دار الكتاب العربي
سنة النشر: 1417هـ / 1997م
رقم الطبعة: ---84
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء ...


هكذا انتهت الأزمة التي كانت تؤرق نبي الإسلام فما أطول مدة الانتظار التي كان يتحملها راجياً ظهور ملاك السماء يكشفه عنه الحجاب ، انتهى الشهر فاطمئنت نفسه لطهارة زوجته ، فما كان الا ان يطلق وحي شعوره للناس معلناً البراءة و متوعداً الخصوم ، وهكذا خرج من المعضلة ناجياً من مؤامرة ابن ابي سلول الذي عجز عنه جبريل فاستسلم له النبي رغماً عنه مكسورا و مهزوزا بغيظ عميق لا يستطيع ان يبوح عنه ، وهكذا حصل حسان ابن ثابت الشاعر المغمورعلى غزامة  تعويضا عن الضرر الذي لحق به بضربة صفوان على عنقه ، فقبل بها كترضية و نسي النبي  قضية الافك و عقوبة الذين يرمون المحصنات في لحظة ، فالاهم هو نسيان الناس للقضية و القولان  و تسوية الامور و غض النظر عن ابن ابي سلول سيد الاوس فالأمر أشبه بالمستحيل ان ينقلب عليه ، لا هو و لا جبريل و لا سائر الملائكة !
ناهيك عن المسرحية التي مثلها اربعة شهود قيل انهم زور ، يبقى هذا الشرط العجيب لاثبات الزنى امرا مستحيلا على عامة الناس ، و ماهو الا امتياز اخر من امتيازات النبوة خاصة بال بيته دون العامة من المسلمين .
لكن السؤال يبقى مطروحا : هل ستمر هذه المغامرة مرور الكرام على عائشة دون ان تعيد التفكير بمن هم محيطون بها كانوا ينتظرون لحظة ادانتها ؟




Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: