هل يمكن اصلاح الاسلام ؟



هل هو إصلاح للاسلام أم إصلاح للخطاب الديني ؟ هل يمكن مقارنة فكرة إصلاح الإسلام بحركة الإصلاح في المسيحية ؟  ماهي العوائق في طريق إصلاح الإسلام ؟ ماهي مشكلة الفصل بين الدنيوي والمقدس في الإسلام؟ وما المشكلة بين الإسلام والعلمانية؟ وماهي مشكلة الإسلام مع الحريات الفردية؟

ان ما يحدث اليوم من مشاكل في العالم من ارهاب يستهدف الاقليات الدينية على وجه التحديد و العالم المتحضر والغرب المضاد لقيم الشريعة الاسلامية يعكس لنا واقعا مرا لا مفر منه  يتعلق بالاسلام و نصوصه المقدسة و كيفية  تعامل المسلمين مع الاخر و مع ظهور موجة اصوات منادية  بضرورة ما يسمى تحسين الخطاب الديني على المنابر و المؤسسات الدينية  قد تمت بالفعل بلورة هذه الاصوات في محاولات شتى  تحت مسمى الاصلاح  Reformation اي تنقية التراث او التقليد الاسلامي من كل ما يتعارض مع القيم الانسانية و المنطق قد بات هذا الواقع مطروحا على الساحة الاسلامية و الاروقة الحوارات العالمية ، ضاربين عرض الحائط كل قواعد المنظومة الاسلامية  التي تستد عليها الامة ، فهل  المشكلة الحقيقة تكمن في الخطاب الديني و بعض النصوص فقط ام ان المعضلة اعقد و الهوة اعمق بكثير مما يحاول المصلحون انفسهم و المجملون احيانا ردمه و اعادة تصدير صورة الاسلام الى الواجهة حسب الطلب العالمي و ما يتطلبه الدساتير المدنية و حريات التعبير و حقوق الانسان و الانفتاح على العالم ؟

معضلة الاسلام مع النص المقدس لم تكن وليدة العصر الحديث او نتيجة الاعمال الارهابية التي تطال البشرية عن بكرة ابيها ، بل  كان هو المعضلة طيلة الوقت ، ولم  يكن فرج فودة المقتول بتحريض من الازهر او اسلام البحيري المسجون على يد الازهر  كذلك هم سابقة في  الساحة الاسلامية  من خلال الطرح الذي صاغوه في كتاباتهم و مناظراتهم ، قد سبقهم الحلاج و ابن رشد و ابن سينا و المعتزلة و غيرهم ممن تعرض الى التكفير و القتل و الاظطهاد و التصفية  و المصير المشؤوم ،  فعندما يتوجه شيخ الازهر احمد الطيب هذه القامة الدينية العليا في اعلى مؤسسة اسلامية تمثل الاسلام في العالم بمثل خطابات مظلومية و زج العالم في عقدة الذنب  ازاء الاسلام و مغالطات منطقية في التاريخ  انما هو يقوض كل فرص الحوار و الانفتاح الحقيقي و تشخيص العلة في المعلول بذاته ، فان كان هذا المعلول هم المسلمون الذين اساؤوا فهم النص الديني المقدس فلابد بالازهر كمؤسسة مسؤولة ان تتمتع بالارادة و تقوم بدورها الفعال في تصحيح المفاهيم المغلوطة في الاسلام على قدر علمها و رزانتها في فهم النص ضمن سياقه ، اما اذا كان المعلول هو الاسلام بمعنى تعرضه الى شوائب دخيلة كنصوص السنة مع تفسيرات فقهية  هنا لابد ا ن يشجع الازهر امثال اسلام البحيري و تتبنى منهجه في فتح منافذ امنة للاسلام من الورطة و المعضلة الكبيرة .

هنا يبادر الغرب في دفع موجة ما اسموه '' الاصلاح '' محاولا استنساخ التجربة المسيحية في اوروبا عبر ثورة  لوثر الاصلاحية الذي نشر عام 1517 رسالته الشهيرة المؤلفة من 95 نقطة تتعلق بلاهوت التحرير و سلطة البابا  و بدعة صكوك الغفران ، بعدما دهش و صدم من بذخ و سطوة الكنيسة الكاثوليكية مناقضة لمبدأ التقشف و الاتضاع ، لم يكن اعتراض لوثر ضد نصوص انجيلية فبالعكس فقد اصدر لوثر هذا الراهب و اللاهوتي الالماني ترجمة المانية عامية للكتاب المقدس بدلا من اللاتينية حتى يتسنى للشعب الذي احتضن كتاباته بشغف قراءة الكتاب دون الحاجة الى سلطة الكنيسة ، و نادى بالعودة الى المسيحية الاولى ، هنا يخطئ الغرب عمدا و مجاملة للتخفيف من حدة المعضلة الاسلامية  في تقييم حتى مستوى المقارنة بما يسميه هو '' الاديان الابراهيمية '' لأن  صورة الاله في المسيحية الذي قدم تضحية عن البشر تختلف تماما عن صورة الاله في الاسلام الذي يطلب دائما التضحية في سبيله  و لا يمكن بحال من الاحوال زج الاسلام في نفس الخانة  ، وان كان هناك اصلاح حقيقي يبحث عنه المسلمون فبالأحرى ان يعودوا الى اصلاحات محمد بن عبد الوهاب الذي نادي بالعودة الى الاسلام السلفي الاول و قد قام فعلا  بمحاربة كل اشكال الصوفية و الفرق المذهبية الاخرى المخالفة لاهل السنة و الجماعة '' القران و الحديث ''

ان شيخ الازهر رغم ثقافته و انفتاحه الظاهر رفض المس بالبخاري و كتب ابن تيمية وهو كسائر المسلمين امام الغرب هو يؤمن  بصورتين للاسلام :
- اسلام موجه للاستهلاك المحلي داخل البلدان الاسلامية سيفه الشريعة الاسلامية و قهر الحريات و تقويض دور الاخر بجعله وصيا عليه  و قران مدني ناسخ للقران المكي الاول ، لان الاسلام قد علا و استحكم و استوطن لذا فانه هو الحاكم و الحكم .
'' قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الاخر و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله  و لا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد و هو صاغرون '' التوبة  29
يا ايها النبي جاهد الكفار و النافقين و اغلظ عليهم و ماواهم جهنم و بئس المصير ' التوبة  73
ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص '' الصف 4
انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الارض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا  او تقطع ايديهم و أرجلهم من خلاف او ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا و لهم في الاخرة عذاب عظيم '' المائدة 33
- اما النوع الثاني الذي يستعمله المسلمون عامة في الغرب فهو الاسلام المصدر للاستهلاك العالمي  ، المنقى و المصفى عبر قنوات التزييف و التدليس و الاحتيال  لتمرير الارهاب الاسلامي من مجهر الرقيب و اتهام الغرب بالاسلاموفوبيا و تعضيد خطابات الكراهية .
لكم دينكم و لي دين ....   الزخرف 6
فاصفح عنهم و قل سلاما ....   الكافرون   89
فذكر انما لست عليهم بمصيطر...   الغاشية  21
ادعو الى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن ...   النحل 125

لم يكن مؤسس الاسلام يرى مشكلة او حرجا في كيفية تصدير النص المقدس الى اتباعه ، حتى نكون واقعيين في التحليل فقد كان براغماتيا نفعيا Pragmatic ، يغيراستراتيجياته حسب الظرف عن طريق صياغة ايات تكون مهيئة لخدمة اهوائه و رغباته و القارئ الموضوعي للقران ينتبه الى نقاط زوايا عديدة من حياة مؤسس الاسلام كان الوحي يأتي خصيصا ليبرر او ليشجع تصرفاته ، فهو استطاع حشد اتباع من نفس الشلة و الطموح ، الصحابة الذين كونوا ثروات و نفوذ من وراء الغزوات التي بدأت بعد الهجرة الى المدينة و اعلان عهد جديد بقيام دولة يقودها رسول و قائد عسكري و موجه روحي و حاكم مطلق  قاد الغزوات  لاعالة و انعاش مجتمعه التوسعي ، هؤلاء الصحابة هم انفسهم من روا الاحاديث و حفظوا القران و قادوا المسلمين  بعد موت قائدهم في غزوات وصلت مصر و شمال افريقيا ، فان كان هذا النبي هو القدوة الحسنة و النموذج للمسلمين جميعا في كل ارجاء العالم فلابد ان يشعروا بالفخر و الانتصار و الثقة بهذا النموذج  دون ان تهتز لهم شعرة ، فما هي ضرورة الاصلاح ان كان النص و السنة من الثوابت ، و كان الاسلام هو الاسلام بذاته ؟
 وهل سيرضى المسلمون بالاسلام اذا ما قاموا بحذف و تشطيب على عناصر تاريخية من شخصية مؤسس الاسلام ؟
نحن لا نؤمن بفكرة الاصلاح بمعناها الحقيقي العميق داخل الاسلام ، لان الاسلام هو الاسلام كما وصلنا و لا نملك صورة تاريخية اخرى بديلة ، اما ان نأخذه كوحي نهائي صالح لكل زمان و مكان أو ان نعزله عن واقع اليوم ونضعه في سياقه التاريخي و بهذا يصبح مجرد وثيقة تعبر عن حياة مجتمع قبلي في منطقة جغرافية محدودة لا علاقة لها بعالم اليوم و متغيراته ،  لكن نؤمن  بضرورة تغيير المفاهيم لدى المسلم العادي عن  الاخر و عن العالم مع تشجيع روح النقد و ثقافة الحرية و ابداء الرأي على ماهو مقدس  و ترسيخ فكرة التعايش  و المساواة في ظل القانون  دون ان يتضرر احد .





Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: