معتقدات الوثنيين وطقوسهم المُدْمَجْة في القرآن 
بل هو قرآنٌ مَجِيدٌ في لوحٍ محفوظ
~~~~~~~~~

قد يقال أنّ الإسلام هو أكثر دين انتقائي موجود بالعالم. ومن المؤكّد أنّ مؤسسه، محمد، قد استفاد كثيراً من المواد المختلفة التي كانت في متناوله في ذلك الوقت.
يفترض عادةً أنّ محمد كان هو أول من جلب التوحيد لشعبه وعرّفهم على الإله الواحد. ويبدو وهو يزعم بلسانه أنّ هذه الحقيقة قد  أوحيت إليه مباشرةً من الله ، لذلك نقرأ في سورة الأنعام آية ١٠٦: {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو}.

لكن بعيداً عن حقيقة أنه كان هناك العديد من المجتمعات اليهودية والمسيحية في شبه الجزيرة العربية التي كان يمكن لمحمد أن يتعلّم منها التوحيد في زمنه، فنظرة قريبة ومدققة في التاريخ العربي كافية بأن تبيّن حقيقة أنّ الله الواحد كان معروفاً جيداً ومعبوداً من قبل العرب قبل ولادة محمد بزمنٍ طويل جداً. 
في الأدب الجاهلي/ماقبل الإسلامي كان اسم " إله" يستخدم لأي إله، لكنّ اسم "الإله" الذي ارتبط بالله أو إله المسلمين، فكان يطلق على كبير الآلهة ورئيسهم. وقد أورد كلٌ من الشاعرين الوثنيين :  النابغة ولَبيد اسم "الله" بشكلٍ متكرر في سياق حديثهما عن كبير الآلهة أو الإله العظيم، وقد استخدمت الكلمة أيضاً في ذلك السياق في معلّقتيهما، في حين أنّ ابن هشام يخبرنا بأنّ قريشاً، وأثناء تأديتها مراسم الإهلال، كانوا يرفعون الصوت:
" لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنعمة لك والمُلْك "  [وتسمّى عادةً بالتلبية ]  
بل علينا أن نتذكّر أيضاً أنّ الكعبة كانت تسمى قبل ولادة محمد بقرون عديدة : ببيت الله  كما أنّ اسم والد محمد نفسه "عبد الله" يثبت إلى أي مدى كانت كلمة "الله" مستخدمة في تلك الأيام [انظر:  "Zwemer's "Moslem Doctrine of God].
 و يقر السيرسعيد أحمد في عمله حول العرب ما قبل الإسلام بوجود فِرَق ومذاهب توحيدية بين العرب قبل زمن محمد فهو يقول: 
 "كانت هناك فئتين من العرب الموحّدين في زمن الجاهلية. أمّا أفراد الفئة الثانية فكانوا يعبدون الإله الحقيقي الواحد، ويؤمنون بالحساب ويوم القيامة وخلود الروح وثوابها وعقابها حسب أعمالها خلال تواجدها في الجسد. لكنهم لم يؤمنوا لا بالأنبياء ولا بالوحي" . ثم يقول في موضعٍ آخر  " كانت هناك أربع مذاهب أو فِرَق توحيدية بين العرب قبل الإسلام آمنت بالوحي وكانت منتشرة على نطاق واسع في تلك الفترة، وبالأخص الصابئة، الأحناف، اليهود  " والمسيحيين "
"Maroam al-Arab qabl al-Islam," pp.222, 223
 Syed Ahmad,  
بإمكان القارئ الآن ملاحظة أنّ مفهوم الإله الأكبر أو الزعيم كان معروفاّ "بالله" وكان مألوفاً جداً بالنسبة لمعاصري محمد، وبالنسبة لمحمد نفسه من دون أدنى شك، فتبنّى هذا المفهوم كأساس لنظامه العقائدي، وقدّمه على أنه وحي منزّل عليه من السماء. لذلك لا نستغرب كثيراً عندما نقرأ أنّ العرب قالت عنه أنه يعيد عليهم رواية " قصص الأولين " [سورة الفرقان، ٦] أو عندما حاول محمد إقناعهم بالإيمان بوحيه كان عليهم أن يقولوا: { أم يقولون تقوَّلَه بل لا يؤمنون } [سورة الطور، ٣٣]
الفترة الزمنية التي تسبق ظهور محمد مباشرةً شهدت ظهور فرقة لاهوتية موحّدة كانت تسمى بالأحناف، وهي عبارة عن مجموعة من المصلحين الأتقياء الذين رفضوا وثنية أقوامهم وعبادتهم للأصنام، دافعوا عن عبادة الإله الواحد الحقيقي. من أهم الرواد والشخصيات المحورية في هذه الفرقة كان ورقة بن نوفل، عبيد الله، ابن جحش، عثمان ابن الحويرث، وزيد ابن عَمْرو [ابن نفيل]. وهناك أخبار تاريخية تخبرنا كيف أنّ زيداً قد تبنّى هذا المصطلح "حنيف" كإشارة إلى المسيحيين واليهود الذين حاولوا إقناعه للتحنّف واعتناق الحنيفية كان زيد غارقاً في ديانته الوثنية إلى حد الإشباع، ولم يقدر على تقبّل لا المسيحية ولا اليهودية فقال: ((ما معنى الحنيفية؟))، فأخبروه اليهود والمسيحيون بأنها كانت مِلّة إبراهيم الذي لم يعبد سوى إلهٍ واحد فأجابهم بأن أقسم وأشهد على نفسه بألا يتبع إلا ملّة إبراهيم.

يورد ابن هشام أحد كبار المؤرخين لسيرة محمد وأكثرهم موثوقية في كتابه "سيرة رسول الله" [ج١، ص٧٦-٧٧] رواية مثيرة عن الأحناف، حيث أنه يخبرنا مايلي: 
" فأمّا ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى عَلِمَ علماً من أهل الكتاب" ، وقد يخبرنا المسلمون المطّلعون أكثر من ذلك، بأنّ ورقة هذا كان ابن عم خديجة زوجة محمد، وأنه قد ترجم الإنجيل إلى اللغة العربية ومن خلال هذه الحقائق المثيرة بإمكاننا استنتاج نتيجة أو نتيجتين في غاية الأهمية :  النتيجة الأولى هي أنّ محمداً كان قد التقى ورقة عدة مرات أو أنه كان يلتقي به ويتعامل معه بشكل متكرّر، أما النتيجة الثانية فهي أنّه كان من السهل جداً الاطلاع على موضوع وحدة الإله من خلال التفاعل مع هؤلاء الحنفاء [لدراسة نقدية أكثر تفصيلا حول علاقة محمد بالحنفاء راجع: Sell's "Essays in Islam," pp. 241-50اً Kuenen's "Hibbert Lectures," for 1882, p. 21]

. لكن يمكننا أن نكون متأكّدين من أمر واحد على الأقل: أنّ محمداً كان مديناً لهم جداً لما أخذه من أفكارهم ومعتقداتهم اللاهوتية، لدرجة أنه عندما بدأ بدعوته، كان قد تبنّى الكلمة ذاتها بوصفها وصفاً أساسياً في نقاشاته، ومرةً بعد أخرى، أكّد أنّه قد أرسِل لتبليغ ديانة إبراهيم، الذي قدّمه بصفته حنيفاً ونكتفي هنا بإيراد آيتين [انظر أيضاً سورة الحج: ٧٧، سورة النحل: ١٢٤، سورة البقرة: ١٢٩، وسورة النساء: ١٢٤] من سورة الأنعام ١٦٢، حيث يقول النبي: 
" قل إني هداني ربي إلى صراطٍ مستقيمٍ دينا قيماً مِلّة إبراهيم حنيفاً "  وفي سورة آلِ عمران ٨٩ نقرأ مرةً ثانية  {فاتبعوا ملّة إبراهيم حنيفاً}

لا يقتصر الأمر بأنّ فكرة الإله الواحد كانت معروفة ومنتشرة على نطاق واسع بين معاصري محمد، بل إنّها حقيقة غير قابلة لدحض والتفنيد بأنّ أغلب الطقوس والشعائر المرتبطة بحجّ محمد والتي زعم بأنها قد أنزلت إليه عن طريق الوحي أيضاً كانت موجودة قبل عهده بزمنٍ بعيد، وكانت تؤدّى بشكل متكرر من قبل العرب الوثنيين ،  ويقرّ المؤرّخ الإسلامي الشهير أبو الفداء بهذه الحقائق حيث أننا نقرأ في تاريخه الكبير : 
  " كانوا [عرب ما قبل الإسلام] يؤدّون فريضة الحج إلى الكعبة، حيث كانوا يؤدون مناسك العمرة والإحرام، كما أنهم كانوا يؤدون الطواف [حول الكعبة]، والجري بين جبليّ الصفا والمروة، ورمي الحجارة، وفي نهاية كل ثلاث سنوات يقضون شهراً في عزلة متزهّدة... كما أنهم أجروا عمليات الختان، وقاموا بقطع اليد اليمنى للسارقين " . Hist. Ante-Islamica (ed. Fleischer), p.180.

هذه الشهادة من أبو الفداء لا تترك أي مجال للشك بأنّ جميع هذه الشعائر والممارسات بالإضافة إلى العديد من الطقوس الشعائرية التي ذكرها كانت موجودة قبل عهد محمد، وقد استعارها بكل بساطة ودمجها في منظومته العقائدية الجديدة على أنها وحي مباشر من عند الله ، وحتى أتباعه المقرّبون وجدوا صعوبة في التوفيق بين الإبقاء على هذه الشعائر والممارسات الوثنية وبين النظام اللاهوتي التوحيدي، وهناك حديث نقله لنا المؤرخون المسلمون ورد فيه أنّ  " عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قبّل الحجر الأسود، ثم قال: أم والله لقد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك " .
لكنّ محمداً لم يقصر حجّه على العرب فرحلاته إلى سوريا وأماكن مختلفة ساعدته على الاحتكاك مع العديد من الفرس وآخرون من شعوب أخرى، حيث تبنّى العديد من أفكارهم ومفاهيمهم الدينية المتعلقة بالجنة والنار، الثواب والعقاب، التي ظهرت طلائعها، ثمّ تعدّلت وتكيّفت باللهجة العربية الصافية لقبيلة قريش كجزء من الوحي المنزّل إليه عن طريق الملاك جبريل.
 يورد ابن هشام، واضع السيرة النبوية لمحمد، واحداً من هؤلاء وبالاسم: سلمان [الفارسي]، الذي أصبح فيما بعد مشهوراً بوصفه أحد صحابة النبي المقرّبين في شبه الجزيرة العربية، كان محمد لديه الكثير من الفرص لتعلّم حكايات وأساطير الفرس ويتعرّف عليها، إذ أنّ الفرس قد مارسوا تأثيرهم في تلك الأرض منذ زمنٍ بعيد. في زمن ما سابق على عهد محمد حكمت سلالة من الحكام الفرس منطقة الحيرة، "العراق واليمن". ويذكر المؤرخ العربي أو الفداء ثمانية أمراء فرس قاموا بحكم اليمن. والأثر الذي تركه الغزاة المثقفون على العرب لم يكن ضئيلاً، بل على العكس هناك دليل دامغ في التاريخ العربي يثبت أنّ الأساطير والأشعار التي قالها الفرس معروفةٌ جيداً بين العرب. وهناك مثال مثير يمكن العثور عليه في كتاب ابن هشام يخبرنا الكاتب أنه خلال الأيام الأولى للإسلام لم تكن القصص والروايات الفارسية هي الوحيدة الموجودة في المدينة، لكنّ قريشاً كانت تتميّز عبادتها في مقارنة رواياتها وقصصها مع تلك الموجودة في القرآن. ويخبرنا ابن هشام عن أحد هؤلاء القرشيين، وهو النضر بن الحارث ، عندما وقف أمام قريش وقصّ عليهم قصصاً وروايات عن ملوك الفرس، ثم تابع قائلاً: 
" والله ما محمد بأحسن حديثاً مني وما حديثه إلا أساطير الأولين كتبه كما أكتبه " ، مؤلف كتاب "روضة الأحباب" كان أكثر نزاهةً وصراحةً حتى، إذ أنه يخبرنا أنّه كان من عادة النبي التحدث مع أفراد كل أمة من زواره بألسنتهم، ومن هنا جاء إدخال بعض الكلمات الفارسية إلى اللغة العربية .
هذا الاعتراف الخطير والفاضح يقدّم لنا مفتاحاً لفهم المزيد عن القرآن الذي في حالة أخرى سيكون مبهماً ومستعصياً على الفهم، إذ من الواضح أنه يقدّم لنا إشارة على مصدر العديد من الكلمات والمفاهيم الفارسية التي يمكن إيجادها فيه.

 أي مقارنة بسيطة ما بين الكوزموليا الزرادشتية وبين القصص والأساطير عن الجنة والنار، الموت والحساب، التي تزخرف الآن صفحات القرآن، لن تترك أي مجال للشك أنّ محمداً قد تعلمها من الفرس الذين تعامل معهم واحتكّ بهم، ثم قدّمها للعرب الجهلة بلغته الخاصة بوصفها وحيٌ من عند الله.
المفاهيم التي تمّت استعارتها من الزرادشتية يمكن إرجاعها بشكلٍ عام إلى وجود الكلمات الفارسية في الروايات والقصص التي تحتويها، إذ من المنطقي جداً أن نتوصّل إلى النتيجة التالية بأنه إذا كانت الكلمة المستخدمة لوصف أي مفهوم ديني مجهول وغير معروف حتى اللحظة على أنه فارسي المصدر، عنئذٍ يكون المفهوم نفسه مشتقاً من ذلك المصدر. والآن إنها لحقيقة مثيرة أن نجد أنّ الكتاب الذي لطالما وصفه محمد بأنه " قرآن عربي مبين " [أو نزل بلسان عربي مبين] هو في الحقيقة كتاب مليء بالكلمات الأجنبية والغريبة التي تجسّد المفاهيم التي الموجودة في ذات المنظومات العقائدية التي أُخِذَت منها تلك الكلمات. والاستنتاج واضح هنا جداً بأنّ المفاهيم ذاتها كانت مستعارة أيضاً.
ونتابع الآن لنقدّم لكم مثالين أو ثلاثة أمثلة على سبيل البرهان.

* كل مسلم يعرف قصّة ليلة المعراج التي عرج فيها محمد إلى السماء إلا أنّ القرآن يشير بطريقة مختصرة جداً ومقتضبة لهذه الليلة العجيبة، حيث أننا نقرأ في سورة بني إسرائيل [الإسراء]: 
 " سبحان الذي أسرى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا " 
وهناك إشارة أخرى في الآية رقم ٦٠ من نفس السورة تصف نفس الحدث حيث نقرأ  " وما جعلنا الرؤية التي أريناك إلا فتنةً للناس " .هذا التصريح الأخير...، فالمفسّرون المحمديون وكتبة الأحاديث مسرورين ليرسموا بوضوح وتفصيل رحلة ليلية-جسدية إلى السماء على ظهر بغل طائر، ليس إلى المسجد الأقصى فحسب، بل إلى السماء حيث عرج النبي من قصة إلى أخرى، حتى وصل إلى حضرة الله وتعلّم منه العديد من أسرار السماء.
لابد أنّ محمداً قد استقى هذه القصة من الفارسيين، إذ أننا نجد في أسطورة " أرتا فيراف نامك " التي كتبت قبل محمد بأربعمائة عام قصة مماثلة متشابهة في العديد من التفاصيل والأفكار، نقرأ عن كاهن مجوسي شاب يعيش حياةً تقية وزاهدة، يصعد إلى السماء بإرشادٍ من ملاك مرافق له، وبعد أن يعبر جميع طبقات السماء يصل إلى حضرة الإله ويشاهد جميع متع ومباهج السماء، يعود إلى الأرض ليخبر الزرادشتيين عمّا رآها هناك في الأعلى 
[Chapter vii. §§ 1-4, quoted in Tisdall's "Sources of the Qur'an," p. 227 et seq].

* قصص القرآن ورواياته عن الحور العين/ حوريات الفردوس مأخوذة أيضاً من الفارسيين كل قارئ للقرآن على اطلاعٍ بالصور الحسية للفردوس القرآني، وبالحور العين ذوات العيون السود الممدّدات على الأرائك، ينتظرن عناق المؤمنين الأتقياء. ونختار صورة من بن العديد من الصور الحسية من سورة الرحمن ٤٦_٧٦:

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴿٤٦﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٧﴾
 ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ﴿٤٨﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿٤٩﴾
 فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴿٥٠﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥١﴾
فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴿٥٢﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥٣﴾
مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴿٥٤﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥٥﴾
 فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴿٥٦﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥٧﴾
 كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴿٥٨﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥٩﴾
 هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴿٦٠﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦١﴾
 وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴿٦٢﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٣﴾
 مُدْهَامَّتَانِ ﴿٦٤﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٥﴾
 فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴿٦٦﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٧﴾
 فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴿٦٨﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٩﴾
 فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴿٧٠﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿٧١﴾
 حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ﴿٧٢﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿٧٣﴾
 لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴿٧٤﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٧٥﴾
 مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴿٧٦﴾
 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٧٧﴾
 تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴿٧٨﴾

لقد بيّن العديد من الكتّاب والباحثين أنّ هذه القصص عن الحوريات مشتقّةً من الأساطير الفارسية القديمة عن الأرواح الأنثوية النقية والجميلة التي تسكن الفردوس والتي تأسر قلوب الرجال. هذه الأرواح الجميلة التي كانت تسمّى "بيراكات"، لابد أنّ محمد قد سمع بها عن طريق الأغاني الفارسية أو القصص والروايات، حتى أنّ كلمة "حُور" بالذات، التي وردت في القرآن هي ذات أصل فارسي، وهي مشتقّة من اللفظة الفهلوية "حُور" والتي تعني " الضوء"، وذلك كافٍ لأن يدلّنا مصدر القصّة بكاملها [لمناقشة مفصّلة ومتعمقة أكثر حول اشتقاق هذه الكلمة، انظر Tisdall's "Religion of the Crescent," p. 171]. 

* ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الخرافات القرآنية المتعلقة " بالجن " أو "الأرواح الشريرة" إذ أنّ أصلها الفارسي وأنها مشتقة من اللفظة الأفستية "جاينا " يوضّح لنا أنّ هذا المفهوم مشتقٌ أيضاً من الفرس الذين تحتوي كتبهم على قصص وأساطير مماثلة.

هناك العديد من التماثلات المشابهة يمكن الإشارات إليها بين الميثولوجيا الزرادشتية وقصص القرآن، لكن قد سبق وكُتِبَ الكثير لإثبات أنّ المصادر التي استمدّ منها القرآن مفاهيمه وتعلّم محمد رواياته كانت الفرس الذين التقاهم واحتكّ بهم. فكلمة " فِرْدَوْس " نفسها المستخدمة في مواضع عديدة في القرآن، هي ذات أصل فارسي على غرار بعض الكلمات الأخرى التي استخدمها محمد ليصف مفاهيم استعارها من الفرس. ويقدّم لنا المؤرّخ الإسلامي أبو الفداء بعض النقاط والمفاهيم المحدّدة عن طائفة معينة، مذكورة أكثر من مرة في القرآن، معروفة باسم "الصابئة
 فهو يخبرنا أنهم من بين أشياء أخرى كانت لديهم سبع صلوات في اليوم خمسة من هذه الصلوات تتطابق تماماً مع صلوات المسلمين الخمس، وكما يتّضح من إشارات محمد العديدة إلى الصابئة بأنه كان على اتصال قريب معهم، وعلى الأرجح أنّ النبي قد أخذ عنهم هذه الطقوس التي باتت سائدة الآن في العالم الإسلامي.
Hist. Ante-Islamica" (ed. Fleisher), p. 148, quoted in Tisdall's "Religion of the Crescent," p. 143.]

الحقائق المذكورة في الأعلى معروفة بشكلٍ جيد وعلى نطاقٍ واسع حيث أنّ الفقهاء المحمديون لا يواجهون أيّة مشكلة في الاعتراف بتأثير الفكر المعاصر لمحمد على أساس القرآن وتكوينه ويقرّ السير سعيد أحمد قائلاً: 
"  لا شكّ أنّه في سور الفترة المتوسّطة وقبل أن يكون عقل المعلّم قد وصل إلى مرحلة تطور وعيه الديني الكامل، وعندما كان من الضروري تشكيل لغة واضحة وجليّة للعوام من سكان الصحراء، جذبت الأوصاف الواقعية للجنة والنار، المستعارة من الفنتازيا الميثولوجية للزرادشتيين والصابئة اليهود التلموديين، اهتمام هؤلاء البدو، وأصبحت لاحقاً الأساس والجوهر الفعلي لدينهم في عبادة الله في الإنسانية والمحبة ،  فالحوريات هي مخلوقات ذات أصل زرادشتي، وكذلك الجنة "الفِرْدَوس" بالفارسية، أمّا الجحيم، حيث العذاب الأبدي، فهو تلمودي المصدر " 
 ["Spirit of Islam" (ed. Calcutta, 1902), pp. 235-6.]

لكن إذا كانت الحقيقة كما مرّ معنا في الأعلى فلنا أن نتساءل: كيف يمكن قبول القرآن بأنّه كلام الله الموجود منذ الأزل والمنزّل على محمد عن طريق الملاك جبريل؟ وقد تمّ إثبات عكس ذلك بأنّ النبي محمد قد استعار الكثير من الأفكار والمفاهيم والمعتقدات عن الحنفاء، الصابئين، الزرادشتيين، وغيرهم أيضاً. ونحن نفترض أيضاً أنّ باقي محتويات القرآن مستعارة أيضاً. وهذا ما سنتابع إثباته في الفصول التالية

THE ORIGINS OF THE QUR'AN
((AN ENQUIRY INTO THE SOURCES OF ISLAM))
BY THE Rev. W. GOLDSACK
THE CHRISTIAN LITERATURE SOCIETY LONDON, MADRAS AND COLOMBO 1907




Mohammed standing before the Kaaba in Mecca, from the 1595 illustrated edition of the Siyer-i Nebi. Topkapi Palace Museum, Istanbul, Turkey.
Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: