المعتقدات والطقوس اليهودية المُدمَجَة في القرآن 2 

{بل هو قرآنٌ مَجِيدٌ في لوحٍ محفوظ}

~~~~~~~~~~
ان  دراسة متعمّقة للقرآن تبيّن بما لا يدع أي مجال للشك أنّ محمداً قد استعار الكثير من الأفكار والمفاهيم من معاصريه من الوثنيين العرب، كما أنه أدخل في منظومته العقائدية الكثير من المفاهيم والمعتقدات المسيحية، إلا أنّ بحث مستفيض في مصادر القرآن يكشف حقيقة أنّ الإسلام بشكل رئيسي يعتبر أكثر من مجرّد يهودية تلمودية، إضافةً إلى التأكيد بنبوّة محمد ورسالته. ونتقدّم هنا في هذا الفصل لإثبات حقيقة هذا التأكيد.
يمكن القول أنّ محمداً كانت أمامه فرصة سانحة للالتقاء باليهود والتفاعل معهم، هؤلاء الذين كان من الممكن أن يتعلّم منهم القصص والأساطير الموجودة عندهم والمتعلّقة بالآباء والبطاركة الأوائل وكثيرون غيرهم .
[راجع كتاب غايغر: اليهودية والإسلام ١٨٣٣، ص٢٧((Was hat Muhammad aus dem Judenthume aufgenommen))].

وأي مقارنة لهذه القصص والروايات كما وردت في القرآن مع التحويرات التلمودية التواريخ الكتابية سيبيّن أنّ يهود مكة والمدينة قد لقّنوا أساطيرهم وقصصهم لمحمد، الذي بدوره أعاد قصّها وروايتها للعرب الجهلة على أنها "وحي" من عند الله. وعلينا أن نذكّر بأنّ التلمود كان قد اكتمل جمعه قبل قرنٍ من عهد محمد، ولابد أنه قد ترك تأثيره على المذهب الديني لجميع اليهود في شبه الجزيرة العربيّة. حيث يتحدّث محمد في آية من القرآن عن شخص يهودي شهد على مهمته، وإذا كان نقرأ في أغلب هذه الآيات عن جدالاته ومناظراته معهم، يبدو من الواضح أنه في موضع واحد على الأقل تربطه معهم علاقة صداقة حميمية. لذا بات من السهل فهم من أين أخذ محمد رواياته وأساطيره اليهودية، حيث استمع لها ثم تبناها وصاغها لتناسب الأذن العربية. لاشكّ أنّ محمداً كان معروفاً عنه مساءلته اليهود في كل ما يتعلق بدينهم، وقد نقل لنا رواة الحديث وناقلو الأخبار من المسلمين حديثاً عن ذلك الأثر:

 " قال ابن عباس فلما سأل النبي صلعم عن شيء من أهل الكتاب فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا........ "
والأهم من ذلك ما زالت حقيقة أنّ محمد قد استثنى نفسه من هذه الاستعارة لهذه المواد من أجل قصصه ورواياته من خلال التظاهر بأنه قد تلقى وحياً من الله يأمره بفعل ذلك. حيث أننا نقرأ في سورة يونس ما يلي: 
{فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [سورة يونس ١٠: ٩٤]
ويخبرنا المؤرخ الطبري بأنّ خديجة (أول زوجة من زوجات النبي) كانت قد قرأت الكتب المقدسة السابقة واطلعت عليها (كتب الأولين)، وكانت تعرف قصص الأنبياء الأوائل. والآن بتنا نعرف أنّ محمداً عاش مع خديجة حوالي خمسة عشر عاماً قبل أن يعلن عن نبوته وعلينا أن نتذكّر جيداً أنه وخلال تلك الفترة كلها كانت على صلة قريبة واحتكاك مباشر من القس ورقة بن نوفل الذي كان بدوره متحنّفاً ومسيحياً في آنٍ معا، كما أنه قد عمل على ترجمة الكتاب المقدس المسيحي إلى اللغة العربية لذا لم تعد هناك صعوبة كبيرة في استنتاج من أين حصّل محمد معرفته بالقصص والروايات الرابانية اليهودية.

والآن سأورد أمثلة عن الكيفية التي استقى محمد بها القصص من التاريخ اليهودي التي كانت شائعة ومنتشرة جداً بين معاصريه، لكن قبل أن أقوم بذلك سيكون من الضروري جداً توضيح الصورة من خلال التنويه إلى وضع الفكر والثقافة اليهودية في شبه الجزيرة العربية في زمن محمد. كان اليهود وخصوصاً في الأماكن والمناطق المجاورة للمدينة، كثيرون جداً، كما أنهم كانوا يمتلكون الكثير من السلطة، لكنّ دراسة العهد القديم وكانت قد ترافقت معها بدراسة التلمود اليهودي. والكتاب الأخير كان عبارة عن تجميع غير منظّم وعشوائي للتأملات الرابانية، تفسيرات، تعليقات، وأحاديث تراثية متعلقة بالكتاب المقدس اليهودي. كانت هذه الموسوعة الكبيرة من الشرائع والأحاديث اليهودية بمثابة سجلّ لأفكار ومعتقدات الشعب اليهودي على مدى آلاف السنوات، وكانت تحتوي المعتقدات العامة والتراث الشفهي لشعب عريق وقديم موجود منذ آلاف السنين. لكنها كانت بمثابة "فوضى أدبية" من دون أي تنظيم وغير مؤرّخة، ومليئة بالخيالات الصبيانية والقصص الطفولية. وكان ذلك هو أساس الفكر اليهودي في زمن محمد، كما أنّ قصص التلمود ورواياته المنحولة تطرب عقول وآذان الجمهور اليهودي، وتمهّد الأرض لتدريسها وتعليمها في المدارس الدينية اليهودية [المدراس]. من هنا لم يكن التوراة هو الكتاب الذي أخذ منه محمد معلوماته وقصصه، وإنّما كان التلمود وقد استطاع محمد الوصول إلى تلك المعلومات عن طريق تفاعله مع اليهود، وسنتابع مناقشة قصص وروايات البطاركة والآباء والتفاصيل الأخرى الواردة في القرآن والمتوافقة مع أساطير الهاغادا أكثر من الكتاب المقدس.

* في سورة المائدة هناك قصة مثيرة حول قايين وهابيل. وفي الآية رقم ٣٤ ترد حادثة قتل قايين لهابيل، وبعد أن قتل الأخ أخاه تقول الآية : {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} [سورة المائدة ٣١] وكل دارس للتوراة يعرف أنّ هذه القصة غير موجودة في الرواية التي وردت في كتاب موسى، لكن ليس هناك أدنى شكّ أننا نعرف من أين استقى محمد هذه الأسطورة، فهناك كتاب رابّاني يسمى "ترجوم يوناثان" لفرقي رابّي أليعازر الفصل ٢١، ورد فيه ما يلي : 
 ((جلس آدم وزوجته يبكيان وينوحان عليه [هابيل]، ولم يعرفا ما الذي سيفعلان به، فالدين لم يكن معروفاً لهما. ثم جاء غراب، مات صاحبه، فأخذ جسده، وحفر في الأرض، ووضعه في الحفرة أمام أعينهما. ثم قال آدم، عليّ أن أفعل مثلما فعل الغراب، فأخذ على الفور جثة هابيل، حفر الأرض ووضع جثته في الحفرة))
[Tisdall, "The Sources of the Qur'an," p. 63]
ومن خلال مقارنة بين هذين المقطعين يتضح لنا أنّ محمداً قد سمع قصة دفن هابيل من اليهود كما هي واردة في الكتب الرابّانية، واعتقد أنها مستقاة من الكتاب المقدس، فأخذها كذلك وأضاف إليها بعض التعديلات، ثم زعم أنها أوحيت له من عند الله.

* القرآن مليء بقصص عن البطريرك الكبير إبراهيم. هذه الأمثلة المتعددة تتناقض وبشكل صارخ مع القصة التوراتية، لكن بمقارنتها مع الأساطير الرابانية لليهود، نجد من دون أدنى شك أنّ محمداً قد تعلّمها من هؤلاء خلال تفاعله القريب معهم. حيث أنه وفي مواضع كثيرة في القرآن نقرأ قصة إبراهيم ورميه في النار من قبل أحد الملوك (وقد أطلق عليه الشرّاح والمفسرون اسم "نمرود") لأنّ إبراهيم رفض عبادة الأصنام وقد جاء في سورة الأنبياء:، آية رقم ٦٩-٧٠:  {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ... وَنَجَّيْنَاهُ}
والآن إنها لحقيقة مثيرة للفضول والاهتمام عندما نعرف أنّ هذه الأسطورة، والتي لا أساس لها في الكتاب المقدس، موجودة بكلّيتها في كتاب لليهود عنوانه "مدراش رابّا" [Geiger's "Judaism and Islam," p. 96.]
ونقرأ في التوراة أنّ البطريرك إبراهيم قبل دخوله إلى أرض كنعان يسكن في مدينة اسمها "أور الكلدانيين"، لكنّ الله أخرجه منها وأرشده إلى أرض الميعاد لذلك نقرأ في سفر التكوين، الإصحاح الخامس عشر، مقطع رقم ٧ : (( أَنَا الرَّبُّ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ)).  
من الواضح أنّ هذه المدينة لم تكن معروفة للكاتب اليهودي الجاهل الذي كتب المدراش المذكور أعلاه، إذ أنه في معرض تفسيره لهذا المقطع أخذ كلمة "أور" والتي تعني"نار" أيضاً بمعناها الحرفي، واعتقد أنّ الله قد أخرج البطريرك إبراهيم من النار لذلك، ولتفسير هذه الآية، (( أَنَا الرَّبُّ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ ))، تمّ تأليف رواية بكاملها عن إبراهيم الذي رماه الملك نمرود في النار، وأخرجه الله منها بطريقة عجائبية. الرواية موجودة بكاملها في مدراش رابّا الذي أشرنا إليه سابقاً، وكانت هذه الأسطورة معروفة على نطاق واسع بين اليهود العرب زمن محمد وقد ورد فيها: ((والآن وقد حدث ذلك عندما رمى نمرود إبراهيم في أتون من النار، لأنه رفض عبادة الأصنام، وهذا حال بينه وبين النار من أذيته)).

بات القارئ الآن يفهم المصدر الذي جاءت منه هذه القصة كما تبدو في القرآن، فالكاتب الذي من الواضح أنه كان يجهل المعنى الحقيقي لكلمات المفسّر اليهودي التي أشرنا لها سابقاً وإذا كان هناك ضرورة لأي دليل ذو طبيعة غير تاريخية على الإطلاق لهذه الرواية، فيمكن العثور عليه في حقيقة أنّ النمرود لم يكن معاصراً لإبراهيم بتاتاً بل سبقه بسنوات عديدة .
* هناك رواية قرآنية أخرى ذات أصول يهودية بلا أدنى شك موجودة في سورة طه آية رقم ٨٨ تتحدث عن العجل الذي عبده الإسرائيليون خلال فترة غياب موسى على جبل سيناء. إذ تخبرنا القصة أنّ الناس جلبوا ممتلكاتهم وحليّهم من الذهب والفضة وألقوا بها في النار، {فَكَذَ‌ٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ}. من المعروف جيداً أنّ التوراة لا تتضمّن أي ذكرٍ للعجل الذهبي ذو الخوار، لكنّ الأساطير الرابّانية غير مرغوبة بالطريقة التي وردت فيها والتي اقتبسها محمد فيها إذاً نقرأ في كتاب فرقي رابّي أليعازر أنّ  : ((العجل خار بصخب، وخرج من النار، فرآه بنو إسرائيل)). الرابي يهوذا ينقل لنا رواية أخرى عن رجل اسمه سامائيل خبّأ نفسه داخل العجل وأصدر أصواتاً تشبه صوت خوار العجل من ليضلّل أبناء إسرائيل. مثل هذه القصة كانت شائعة ومنتشرة على نطاق واسع بين يهود شبه الجزيرة العربية في زمن محمد. ليجري القارئ مقارنة بينها وبين الرواية الواردة في القرآن وسيرى بسهولة أنّ محمداً، معتقدا أنّ الرواية التي سمعها على لسان معاصريه من اليهود هي جزء من الكتاب المقدس، فتبنّاها وقدّمها لاحقاً للعرب الجهلاء مدّعياً أنها أوحيت إليه من الله-إلهه.

لسوء الحظ أساء محمد فهم الإشارة للرجل سامائيل، وخلط اسمه بكلمة "السامريين"، الذين اعتقد أنهم كانوا أعداءً لليهود حسب علمه، وهذا ما دفعه للظنّ بأنّ (السامري)  جزء من المشكلة، وبما أنّ السامريين لم يكونوا موجودين كشعب إلا بعد قرون من الحادثة المسجّلة هنا، فلابد أنها تتطلب درجة عالية من الجهل والسذاجة لتصديقها والإيمان بأنّ الرواية القرآنية منزّلة من إله عليم يعرف كل شيء.
Geiger, "Judaism and Islam", pp. 130-2.

* في سورة النمل الآية رقم ٤٤ نقرأ قصة طويلة عن سليمان وملكة سبأ حيث ورد فيها أنّ الملك سليمان قد أرسل رسالة إلى الملكة عن طريق طائر دعاه لهذه المهمة بالذات وتخبرنا القصة أنّ الملكة بعد أن قرأت الرسالة قرّرت زيارة الملك سليمان. وعندما وصلت للمملكة ووقفت على أعتاب قصر الملك  : {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ}، ولمّا سمعت ذلك أجابت الملكة كأي إنسان مسلم {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}

كل قارئ ومطّلع على الكتاب المقدس يعرف بأنّ كل هذا مجرد خرافة، ولا يمكن أن يكون كلام الله لكنّ السؤال الوارد هنا فهو يدور حول أصل هذه القصة ومصدرها. نقرأ في ترجوم "كتاب إستير"، وهو كتاب رابّاني مليء بالخرافات والقصص الأسطورية وبنفس الكلمات غالباً، كامل القصة كما رواها محمد. حيث أننا نقرأ في هذا الترجوم : ((كان سليمان يعرف أنها [الملكة] ستأتي، فنهض واستقرّ في قصرٍ من الزجاج، وعندما رأته ملكة سبأ ظنت أنّ الأرض كانت ماءً، لذا وأثناء عبورها فوقها، قامت برفع فستانها)). والكثير يمكن إيراده من هذا الكتاب من بينها حادثة الطائر المرسال، لكنني أعتقد أنّ ذلك يكفي لتبيان أنّ القصة الواردة في القرآن ليست سوى قصة رابّانية تعلّمها محمد من اليهود. لندع القارئ يطلع على الرواية الواردة في الكتاب المقدس (سفر الملوك الأول: الإصحاح العاشر) وسيلاحظ مدى الفرق الشاسع بين هذه الرواية وتلك.

* رواية خرافية أخرى تعلمها محمد من اليهود وأدخلها في القرآن، وهي قصة رفع الرب للجبل فوق الإسرائيليين ليدخل الرعب في قلوبهم. إذ أننا نقرأ في سورة الأعراف آية رقم ١٧٠ ما يلي: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ}. هذه القصة ليس لها أساس على الإطلاق في الواقع، لكن يمكن العثور عليها في كراسة دينية يهودية تسمى "عابوداه ساره". 
التوراة لا تذكر شيئاً حول هذا الموضوع إنما تصرح وبكل بساطة أنّ جميع الناس عندما كان موسى على الجبل يتلقى الشريعة من الرب وقفوا تحت أو أسفل، عند قاعدة، الجبل. المفسرون اليهود سرعان ما حوّلوا هذه القصة إلى خرافة عن إله يرفع الجبل فوق رؤوس البشر وفي الرواية الواردة في عابوداه ساره نقرأ عن الله وهو يقول للإسرائيليين  : ((لقد غطّيتكم بالجبل كجفن العين)). وفي رواية رابّانية آخرى نقرأ أنّ الله قد : ((قَلَبَ الجبل المقدس فوقهم كالقدر، وقال لهم: " إذا قبلتم الشريعة فذلك أمر جيد، أمّا إذا لم تقبلوها، فسيكون هذا المكان قبركم)). هذه الأسطورة التي كانت شائعة ومنتشرة بين اليهود العرب في شبه الجزيرة العربية لابد أنها بلغت أذني محمد الذي اعتقد أنها جزء من الرواية التوراتية، سرعان ما أدخلها في قرآنه وسعى لإقناع المسلمين للإيمان بها كجزء من كلام الله المحفوظ منذ الأزل في اللوح المحفوظ بالقرب من عرشه في السماء، والذي أنزل أخيراً على محمد بواسطة الملاك جبريل.
القصة الواردة في الأعلى لا تساويها في سخافتها وتفاهتها سوى قصة الملائكة الساقطين الموجودة في سورة الحجر، آيتان رقم ١٦-١٨، التي تنصّ على أنّ الشياطين تحاول دوماً التنصت والاستماع على كل ما يجري ويقال في السماء، لكنها تُرْجَمُ دوماً بالشهب من قبل الملائكة لطردها، لذلك نقرأ في هذه الآية : {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ}
* ومرةً أخرى، نقرأ في سورة الملك آية رقم ٥ التالي : {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ}وهذا هو التفسير الذي اعتمده محمد لتفسير ظاهرة الشهب ! ففكرته عن الشياطين والعفاريت التي تحاول استراق السمع لكل ما يجري في السماء، ليست فكرة أصيلة، إنما هي صدى لخرافة يهودية وردت في كتاب "الحاجيجا"، حيث جاء فيها أنّ الشياطين :  ((تسترق السمع من وراء ستار)) لتسرق بعض المعرفة والاطلاع على المستقبل. لسان بحاجة إلى التعليق أكثر حول هذه القصص والروايات الأسطورية.
 لدي قناعة راسخة أنه لا يوجد إنسان مسلم عاقل يمتلك حد متوسط من الذكاء يقبل بفكرة أنّ هذه القصص والخرافات ذات مصدر إلهي، مجرد وجودها بحد ذاته في القرآن شهادة لا شك فيها على المصدر والأصل الإنساني لهذا الكتاب.
لكن هناك الكثير ليقال عن كم كان محمد مدينٌ لليهود على الأفكار والأساطير التي دمجها لاحقاً في القرآن، لكنّ محدودية هذا الكتاب وحجمه الصغير لا يسمحان لنا سوى بإيراد مثالي آخرين فقط.
بما أنّ كلا من اليهود والصابئة كانوا يشهدون شهر الصيام، لذا من الصعب التقرير من أيٍ من هاتين الفرقتين أخذ محمد هذا المفهوم الذي نصادفه كثيراً في القرآن، لكن فيما يتعلّق بهذا الصيام هناك قاعدة أو تشريع في القرآن لا شك أنه من أصول يهودية. 
نقرأ في سورة البقرة الآية رقم ١٨٧ مايلي: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} هذه الطريقة القديمة في تقرير متى ينتهي الليل ويبدأ الصبح لم تكن أصيلة، إنما أخذها محمد عن اليهود الذين تبنوا هذه الممارسات قبل فترة طويلة جداً، حيث أننا مقرأ في مشناه بيراخوث أنّ الإفطار يبدأ : ((عندما نستطيع تمييز الخيط الأزرق والأبيض)). ومع ذلك يطلب من المسلمين الإيمان بأنّ محمداً لم يكن له أي دور في تأليف القرآن، وأنه نزل بكامله موحى من السماء حيث ظل محفوظاً منذ الأزل في "اللوح المحفوظ". في المقابل سنتابع الآن إثبات أنّ فكرة النص المنقوش على اللوح المحفوظ نفسها ما هي سوى فكرة منتحلة من اليهود.
* نقرأ في سورة البروج الآية رقم ٢١ {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ}، هذا اللوح العجيب كثيراً ما جرى الحديث عنه في التراث المحمدي وهناك عينة من هذه القصص الخيالية والأساطير الخرافية في قصص الأنبياء. إذ قد ذكر أنه ومنذ البداية ((خلق الله جوهرة تحت عرشه، ومن تلك الجوهرة خلق اللوح المحفوظ. كان نوره يمتدّ مسير سبعمائة عام، ولهيبه يمتد مسير ثلاثمائة عام [خلق الله اللوح المحفوظ لمسيرة مائة عامٍ فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق: اكتب علمي في خلقي، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة])) ثم وبعد وصف عملية خلق القلم يتابع الكاتب: ((والله خلق اللوح المحفوظ وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق: اكتب علمي في خلقي، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة)).
هذه الفكرة عن اللوح الذي سجّل الله عليه معرفته من الواضح أنها مماثلة للرواية الواردة في التوراة حيث نقرأ أنّ الرب قال لموسى : ((انحت لك لوحين من حجر مثل الاولين واصعد إلى إلى الجبل واصنع لك تابوتا من خشب... فاكتب على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الاولين اللذين كسرتهما و تضعهما في التابوت)) [سفر التثنية، الإصحاح العاشر: ١-٢] ومن المهم جداً التنويه بأنّ الكلمة العبرية "لَوخ" استخدمت أثناء الحديث عن هذه الألواح في التوراة وهي الكلمة التي تبناها محمد حين وصفه للوحه الخيالي. 

لابد أنه قد سمع اليهود يروون قصة اللوحان الحجريان المحفوظان في التابوت، فتبنّى فكرة الكتاب المحفوظ في السماء وعدّل فيها، متمنيا لكتابه القرآن أن يكون له أصل ومصدر خاص به ومتميز. والحال أنّ النبي قد نسي نفسه، وفي لحظة خاطفة جعل الله يقول :{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: ١٠٥] مما جعل إيمان المسلمين متزعزعاً بمشهد القرآن الذي يزعم بأنه قد كُتِبَ منذ بدء الخليقة، وهو يقتبس من كتاب آخر مكتوب قبله بحوالي ألفي عام. أعتقد أنّ أغلب الناس العقلاء سيعتبرون ذلك مجرّد دليلٍ على أنّ القرآن قد وُجِدَ بعد الزبور.
Geiger, "Judaism and Islam," pp. 30-45]
إذا كان لابد لنا من إيراد أدلة أخرى لنبيّن أنّ القرآن يعتمد بشكل كبير على المفاهيم اليهودية التلمودية، فبإمكاننا استنباطها من الكلمات العديد ذات الأصل العبري الموجودة في القرآن، ومن ضمنها الكلمات التالية: تابوت، توراة، عدن، جهنم، سبت، سكينة، طاغوت، فرقان، ماعون، مثاني، وملكوت ،  أمّا القارئ الفضولي فسيجد في كتاب الدكتور عماد الدين "هداية المسلمين"، ص ٢٧٦-٢٨٣ قائمة بحوالي ١١٤ كلمة أجنبية غير عربية واردة في القرآن، مرفقة بمصدرها ومعناها الأصلي.

THE ORIGINS OF THE QUR'AN
((AN ENQUIRY INTO THE SOURCES OF ISLAM))
BY THE Rev. W. GOLDSACK
THE CHRISTIAN LITERATURE SOCIETY LONDON, MADRAS AND COLOMBO 1907


The Prophet Muhammad sits with the Abrahamic prophets in Jerusalem, anonymous, Mi'rajnama




Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: