هل القدس إسلامية ؟


سؤال قد يبدو غريبا على مسامع عامة المسلمين لطالما اعتبروها - القدس - من المسّلمات التي لا تحتاج الى برهان و دليل على اسلاميتها ، لذلك فان طبيعة الصراع المحتد في الشرق الاوسط يكتسي طابعا دينيا لا سياسيا كما يحاولون هم أصحاب القرار تصديره للرأي العام ، يقوم كبار قادة الفلسطينيين بطبيعة الحال حول العالم بمهمة دفع و تصعيد حدة هذا التوترعلى مدار السنوات الماضية ويغذونه بالعنف في الداخل و المماطلة أمام فرص حلول السلام لبناء دولة حقيقة ، يستمرون في سياسة التعنت والتملص من الجلوس على طاولة المفاوضات على غرار انهم يستغلون الجانب الحقوقي و السياسي لشعبهم و يتهربون من واقع الازمات لتصدير القضية الدينية و الارهاب المغلف الى المسلمين عامة لشحنهم و تحريضهم على العنف و التخريب المستمر و هم يدوسون على التاريخ و يعمدون الى اقصاء اليهود  نهائيا من ارضهم و حقهم الطبيعي في المدينة الوحيدة التي تعبرعن هويتهم التاريخية بعد ان تشتتوا الى غيتوهات و تعرضوا الى عمليات تهجير من البلدان الاسلامية نتيجة صعود الانظمة العسكرية التي تبنت نهج ما يسمى القومية العربية الى الحكم و اعلان الحرب العربية الجماعية على الدولة العبرية . 
رفض المسلمين غير مستند الى اي دليل تاريخي منطقي سوى اسطورة صيغت في جملة قرانية سرحت بها كتب التفسير و السيرة بتفاصيل خيالية لا يمكن ان تقارن بالسجلات و الوثائق التي اوردت اسم المدينة اليهودية بالاسم اورشاليم اولها رسائل تل العمارنة المصرية قبل الميلاد ... كل هذا ينطوي على عقيدة الكراهية الدينية بالدرجة الاولى و استغلال جهل عامة المسلمين المشحونين بالعاطفة الدينية مرتكزين ايضا على مبدأ الانكار التاريخي للاحتلال العربي الاسلامي الذي كان جزءا من الاستعمار القديم لا اكثر . 
----------------------------------------------------
د - توفيق حميد : 
كان إعلان الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها بمثابة صدمة، ولكن متوقعة لكثيرين في العالم العربي والإسلامي، وهي "صدمة" لهم لأنهم لم يروا رئيسا أميركيا من قبل يُوفي بتعهده فى هذا الموضوع على هذا النحو، وهي في نفس الوقت صدمة "متوقعة" لأن الإدارة الأميركية أعربت عن نيتها فى أخذ هذا القرار التاريخي منذ عدة أيام.

ويرى كثيرون من المسلمين أن القدس إسلامية لأن الرسول زارها في رؤيا الإسراء والمعراج فى المراحل الأولى من الإسلام، وأن فيها - كما يقولون دائما - "ثالث الحرمين" أو المسجد الأقصى، وذلك باعتبار أن الحرم الأول هو الحرم المكي والحرم الثاني هو مسجد الرسول .
وفى هذا الشأن على أصحاب العقول أن يضعوا عدة تساؤلات بخصوص شأن القدس وعلاقة العالم الإسلامي بها.
والسؤال الأول هو:  لماذا لم يتم ذكر القدس بالاسم ولو مرة واحدة فى القرآن إن كانت تعتبر من المقدسات الدينية ؟ لقد ذُكر اسم مكة في القرآن :
"وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ"(سورة الفتح 24) و تم ذِكْر ما يُعرف اليوم بالمدينةِ المنورة (والاسم الأصلي لها في القرآن الكريم هو يثرب) لقوله في القران : "وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ" (سورة الأحزاب آية 13).
ولذا فليس بمُستغرب أن يعتبرهما المسلمون مدنا مقدسة، ولكن كيف هو الحال مع القدس التي لم تُذكر ولا مرة واحدة فى كتاب الله ؟ فهل يُعقل ألا يُذكر اسم مدينة مقدسة في الدين (أي القدس) ولو مرة واحدة فى القرآن ؟

ويطرح السؤال الثاني نفسه هنا وهو :  من كان يعيش وقت حادثة الإسراء في القدس ؟
 فلا يمكن أن يكونوا هم المسلمون أنفسهم لأن الإسلام كما هو معروف اليوم لم يصل إلى هذه المنطقة إلا بعد أن  " فتحها " عمر بن الخطاب وذلك بعد وفاة الرسول ببضع سنين.
فكما وصفت كتب التاريخ الإسلامي فإن غزو القدس أو ما يسمى "فتحها" في سنة 637 م الموافق لسنة 16 هجرية بدأ عندما قام جيش المسلمين - تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح - بمحاصرتها في شوال الموافق نوفمبر تشرين الثاني سنة 636 م ، وبعد ستة أشهر وافق البطريرك صفرونيوس على الاستسلام.
أي أنه وقت حادثة الإسراء وزيارة الرسول للمسجد الأقصى لم يكن هناك مسلمون أصلا يعيشون فى القدس وكان هناك أناس آخرون يعيشون فيها من مسيحيين و يهود، وقد يتعجب البعض كيف يسمى "المسجد الأقصى" مسجدا ولم يكن بالقدس مسلمون أصلا يتعبدون هناك؟

والتفسير يأتي من القرآن نفسه والذي استخدم تعبير مسجد لأي مكان يتم فيه التعبد والسجود لله تعالى، أي أن كلمة "مسجد" ليست مقصورة على الدين الإسلامي وحده كما يظن كثيرون، لكنها تعني المكان الذي يتم فيه السجود لله وحده في أي دين سماوي، ففي قصة أهل الكهف مثلا وهي منذ أكثر من ألفي عام أي قبل مولد محمد بعدة قرون استخدم القرآن تعبير "مسجد" ليصف مكانا للعبادة كان يريد الناس بناءه حول أهل الكهف " قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدا" (سورة الكهف آية 21).

أما السؤال الثالث فهو : إذا كان ما يُطلق عليه "حق المسلمين" فى القدس مبنيا على أساس رؤية الرسول أو انتقاله لها في حادثة الإسراء المعروفة "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى" (سورة الإسراء آية 1)-  فهل يا ترى كيف سيكون الحال إن قال البهائيون للمسلمين أن نبيهم زار مكة في منامه ؟
فهل سيكون ذلك مقنعا للمسلمين أن يتنازلوا عن مكة لهم لأن نبي البهائيين زار مكة مرة واحدة في منامه - كما هم يطالبون اليهود بالتنازل عن مدينتهم المقدسة (والتى تم ذكرها المئات من المرات فى كتابهم المقدس) لأن نبي الإسلام زارها فى المنام ؟

والسؤال الرابع فى هذا المضمار هو : ماذا سيفعل المسلمون بهذه الآيات القرآنية والتي تتحدث عن "الأرض المقدسة" أو كما تُعرف اداريا بأرض فلسطين :
- يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ (سورة المائدة آية 21)
- يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ (سورة طه آية 80) - و الأيمن أي الأكثر يُمنا أو بركة.
- وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ (سورة الأعراف آية 137)
-  كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (سورة الشعراء آية 52-59)

أما السؤال الخامس هنا : هو كيف يتم استخدام تعبير "ثالث الحرمين" مع أنه لا يمكن وجود إلا أول أو ثاني للحرمين ؟ أما التعبير المستخدم فهو خطأ فمن الممكن قول "ثالث الحُرُمْ" ولكن لا يمكن أن نُسمي شيئا "ثالث الحرمين"! فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن القرآن استخدم تعبير ثاني اثنين "إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ " (سورة التوبة آية 40) فلا يصح لغويا قول أن شيئا ما هو "ثالث اثنين" كما هو الحال في استخدام تعبير "ثالث الحرمين".
فإذا كان التعبير الأكثر شُيوعا في العالم الإسلامي لوصف المسجد الأقصى هو تعبير خطأ ومستحيل الحدوث لغويا -أفلا يُشكك ذلك في مصداقية الأمر برُمته؟
و ما ذكرتُه فى هذه المقالة ما هو إلا تساؤلات حائرة تبحث عن إجابة.
و لتبدأ المناقشة !     
ـــــــــــــــــــــــــــ
Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: