حلم لبنان في سلام مع جيرانه .. اسرائيل - 2 -  

كم عدد اللبنانيين يتفقون مع  فكرة السلام ؟ موضوع  لا يزال يشكل خطا أحمرا على الواجهة العامة و الاعلامية و رغم ذلك هناك شريحة من المجتمع اللبناني تفكر و تتحدث و تبدي عن افكارها .... و من خلال هذه الافكار تظهر حقائق تاريخية كثيرة ظلت في صندوق التعتيم العربي و الاسلامي لسنوات . 


عندما سألنا عن عدد الأشخاص الذين استشعروا مع آراء رئيس حزب الكتائب سامي الجميل  قال : "علينا أن نأخذ في الاعتبار أن الكثير من الناس قد قتلوا هنا على ايدي إسرائيل لذا علينا أن نكون حذرين جدا عندما نتحدث عن ذلك لاننا نتكلم عن عائلات فقدت ذويها و ارواح ابرياء قد ماتت ، ولكن الأمر نفسه يتعلق بالنسبة لسوريا التي قتلت قواتها عددا كبيرا من اللبنانيين منذ عام 1976 فصاعدا أكثر مما قتلته إسرائيل لذا فإذا كنت تريد أن يكون هذا الموقف تجاه إسرائيل، لماذا لا يكون لنا  نفس الموقف اتجاه سوريا ؟ لقد ضربت سوريا مزيدا من الضرر للبنان أكثر من إسرائيل ".
هناك سببان يعتبران مقبولين يفرضان تحالف لبنان مع سوريا بدل إسرائيل،  أولا:  سوريا دولة عربية "شقيقة"، وثانيا:  غزت سوريا لبنان وحولت و سيطرت على نظامها السياسي ولا تزال تتحكم به عن طريق  وكلاء في الخارج و في الداخل.
و اضاف  الجميل "نريد السلام في هذا البلد". "نريد بناء هذا البلد الذي دمر على مدى السنوات الأربعين الماضية ولا يمكننا بناء هذا البلد ما دامت الحرب خيارا وارد دوما ، ينبغي ان يكون المستقبل مستقبلا للسلام ".


Sign in East Beirut. Photo: Michael J. Totten

 ماذا عن الشيعة في لبنان ؟ وهم يشكلون ما يقرب من ثلث السكان، وحوالي ثلثيهم من المؤيدين الاسميين لحزب الله على الأقل لكن الثلث الآخر يعارض بشدة الحزب.
لقمان سليم هو أبرز ناشط معارض للحزب الشيعي المسمى : " حزب الله " وهو يعيش في الضاحية الجنوبية لبيروت معقل الحزب رغما عنهم ،  فلقد كرس حياته لبناء بديل ليبرالي ل "حزب الله" الذي نصب نفسه سياسيا، هو شخصية  مستقلة مناوئة لمبادئ و افكار الحزب المسيطر " حزب الله " 
 "الشيعة يريدون أن يكونوا شريكا محترما في العالم" و يضيف لقمان سليم :  "لا استطيع ان اقبل ان جزيرة صغيرة كقبرص هي جزء من الاتحاد الاوروبي ونحن نبعد فقط على بعد بضعة أميال...  إننا نريد أن نتمتع بالازدهار لكننا نعاني من الركود و نريد ان  نكون جزءا من العالم بجميع مشاكله وجميع معطياته ...  نريد ان نكون جزءا من العالم مثل اسرائيل وسوريا ".

كم من الناس في المجتمع الشيعي يتفقون مع ما يقوله ؟
يرد الاستاذ سليم قائلا  "اكثر بكثير مما تعتقدون"...           
لبنان هو واحد من الدول الشرق أوسطية القليلة التي لا يحكمها الملك و كذلك البلد الذي لم يمر بمرحلة اشتراكية ، حتى إسرائيل مرت بمرحلة اشتراكية، وإن لم تكن لحسن الحظ على النموذج العربي أو السوفياتي و لهذا الرأسمالية والتجارة تأتي بشكل طبيعي لشعب لبنان. ليس لدينا الكثير من الخيارات لأننا بلد صغير من دون أي موارد  وحتى بعد عقود من الاحتلال العسكري والحرب، فإن لبنان أكثر ازدهارا من البلدان العربية الأخرى الفقيرة الموارد. ألا يمكن ان ينتعش اقتصادها إذا كانت لدى بيروت معاهدة سلام وتجارة حرة مع إسرائيل ؟
 واضاف " يجب ان نستفيد من حقيقة ان الشعب يريد السلام ، لا فقط ان نستمع إلى ما يروجه [زعيم حزب الله] حسن نصر الله. ان تحدثت الى الناس في الشارع بالجنوب سيخبرونكم أنهم يريدون السلام بينما نصر الله يقول دائما انه يريد الحرب. وبطبيعة الحال فإن المرأة العجوز في متجرها التي تبيع السجائر والسندويشات إلى جنود اليونيفيل تريد توسيع أعمالها الصغيرة ".

لم يكن يشير إلى أي امرأة مسنة على وجه الخصوص، ولكن هناك الكثير من التجار في الجنوب الذين عملوا مع الإسرائيليين منذ السبعينيات وعندما دخل الجنود الاسرائيليون جنوب لبنان فى عام 1982 لهدم المنظمة التحرير الفلسطينية الدخيلة ، اشاد السكان الشيعة من السكان الأصليين بالدور الاسرائيلي لتحريرهم من عصابة المرتزقة الفلسطينيين  و طبيعة الحال فان حزب الله لا يتحدث عن هذا والحزب غير راض للغاية عندما يخرج أي شخص اخر يتفوه بهذه الحقيقة  ولكن الجميع في لبنان يعرف ان هذا الامر صحيح.
في ذلك الوقت  لم يحدث حتى لشيعة لبنان أن إسرائيل عدوهم انما كان عدوهم القديم الاول  منذ نشأة الإسلام الاولى هم  - السنة. والفلسطينيون سنيون بشكل عام، وفي السبعينات كان بناءهم للدولة الصغيرة المتحاربة في قلب الشيعة في جنوب لبنان تطورا غير مرحب به.
وقال الاستاذ فؤاد العجمي الذي ينحدر من هذا الجزء من لبنان أن "السلطة الشيعية في المناطق النائية الجنوبية" تحملت السلطة الفلسطينية التي نصبت لنفسها دولة  داخل دولة اخرى ذات سيادة  وكان للمسلحين والقادة الفلسطينيين إدارة جزء كبير من البلد وقد أشاد القوميون العرب بهذه الخطوة و باركوها كقضية مقدسة تجمع العرب كلهم ؛ وقد دفعت الدول العربية النفطية ثمنها و موّلتها ، في العام 1982 عندما اجتاحت إسرائيل لبنان وحطمت تلك القاعدة تحركت اعين العرب حول الشيعة في اعتبارهم خونة للقضية و من  ثمة ظهرت حركة شيعية مسلحة تدعى حزب الله لتتحدى إسرائيل مستخدمة  سياسة "الفضيلة والإرهاب" لتبرئة الشيعة اللبنانيين في أعين العرب. "

لكن الأمر استغرق سنوات لقيام حزب الله باقناع المدنيين اللبنانيين الشيعة العاديين بالقتال إذ لو ان الإسرائيليين لم يبقوا طويلا جدا في جنوب لبنان - استمر الاحتلال ما يقرب من عقدين - كانت بداية حزب الله ستكون صعبة جدا للشروع في العمل.
و قال لقمان  سليم "ان الفلاحين الشيعة نددوا بكل سلوكيات حزب الله في المنطقة و كانوا يذهبون للاسرائيلين و يخبرونهم بكل الاشياء الغريبة التي تحدث ، لقد أمضى حزب الله وقتا طويلا في تغيير عقلية هؤلاء الناس ".

إذا ضعف حزب الله أو انهار تماما فإن هذه العقلية يجب أن تعود في النهاية إلى القاعدة، لأن اليهود لم يكونوا أبدا العدو الرئيسي للشيعة  فهذا الشرف المشكوك فيه ذهب دائما إلى السنة. وكما يشير الاستاذ فؤاد العجمي فإن "المقاومة" الشيعية ضد " الكيان الصهيوني" حسب توصيف العرب كانت منذ البداية تبحث عن اكتساب الوضع السياسي والقبول من كلا : السنة و اسرائيل .  
وقال سليم: "اذهب إلى الجنوب واسأل الناس هناك إذا كانوا يريدون حربا جديدة و انتصارا إلهيا آخر."

الشيعة اللبنانيون ببساطة لم يعودوا مهتمين بالحرب فقد كانت حرب لبنان الثانية في عام 2006 اقصى عقوبة دفع ثمنها الاهالي نتيجة دعم عدوان حزب الله ، وقد أجبر نصر الله نفسه على الاعتراف بها . واعتذر إلى اتباعه  في أعقاب ذلك قائلا: " لو كنت أعرف أن عملية خطف[ الجنود الإسرائيليين] حتى مع احتمال واحد في المئة من شأنها أن تؤدي إلى حرب من هذا القبيل، وإذا طلبتم مني أن ألقي القبض عليهم وبطبيعة الحال سيكون جوابي " لا "  لأسباب إنسانية وأخلاقية واجتماعية وأمنية ".

طبعا لم يكن في استطاعته قول هذا الكلام لو أن مؤيديه و داعميه قد استفادوا من مغامرته و في مجمل الأحوال هذا لا يعني انه مستعد او حتى لمجرد قبول فكرة التطبيع مع دولة اسرائيل . 

"انهم يريدون السلام البارد" يقول الاستاذ لقمان سليم و يضيف : "في الوقت الراهن ان السلام مشروط أيديولوجيا فلا ننسى كل الدعاية المعادية لليهود عند العرب و المنطقة ، لأننا لا نتحدث فقط عن اسرائيل بل عن الكراهية ضد اليهود و معاداة السامية  التي كانت ثقافة متجذرة في مجتمعاتنا منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم من خلال حزب الله، لذلك شعب الجنوب يريد فقط سلاما باردا -حسب تعبيره -  لا ابعد من ذلك ".
حنين غدار رئيس تحرير المجلة الإلكترونية لبنان الآن شخصية شيعية من الجنوب ، ليبرالية أخرى تترصد الرأي السائد في مجتمعها وهي حرة في قول الأشياء التي من شأنها أن حزب الله ومؤيديه لم يقلوها للناس .
تقول الاستاذة حنين : جميع الناس لديهم آراء محتلفة ...  "ولكن الانطباع العام يرى ان الغزو الإسرائيلي في عام 1982 كان مرحبا به بمثابة المنقذ و كان الجميع سعداء في البداية ،  أتذكر أن العديد من اقربائي و اسرتي  بما في ذلك والدي كانوا سعداءا ، لم يكن لدينا أي مشكلة مع الإسرائيليين ".
لكنهم توقعوا أن يغادر الإسرائيليون وكان الغرباء الجنوبيون موضع ترحيب كمحررين ولكن ليس كمحتلين. لو انهم غادروا كان حزب الله سيواجه صعوبة أكبر في حشد الدعم الشعبي وهي توافق مع لقمان سليم بان حزب الله "استخدم الاحتلال لحشد الناس من حولهم".

كان ينبغي على الإسرائيليين أن يغادروا في وقت سابق، ولكن الخطأ قد يكون مفهوما وقتها فقد كنا في استقبالهم في البداية، لذلك كانوا يعتقدون أن بقاءهم سيفرض السلام و الهدوء  وأرادوا البقاء لمنع جماعة معادية أخرى مثل منظمة التحرير الفلسطينية من الاستقرار على الحدود ومن الواضح أنها لم تنجح.
لكن معاداة الصهيونية لم تكن معتقدات محلية قد تشكلت بعد في هذا الجزء من لبنان ، حيث إن الإسرائيليين لم يتوقعوا  أن حكومة الثورة الإيرانية الجديدة سوف تصدر ايديولوجيتها لجيرانهم الاقليميين  وذلك جزئيا بسبب طموحات إيران في بلاد الشام لم تتخذ بعد الشكل النهائي ، كما ان سياستها " السلب و التغاضي " لم تكن بعد مفهومة لدى الاسرائليين ، فقد كان صعود حزب الله موضع ترحيب بين الشيعة ايران كما كان ايضا الاجتياح الإسرائيلي  موضع ترحيب - على حد سواء لنفس السبب وهو الخطر السّني . 

تعيش حنين غدار في بيروت لكنها نشأت في الجنوب وغالبا ما تزور عائلتها هناك مثل سليم، فهي مقتنعة بأن مجتمعها سيكون في حالة أكثر راحة بشأن مسألة السلام مع إسرائيل في المستقبل.
وتقول: "إنهم مرنون جدا" فقد  انتهت الحرب مع إسرائيل في عام 2006 و الجميع يعرف ذلك ، لن تتكرر اذا ما لم يبادر حزب الله بالعدوانية لكن لم يعد بإمكانه أن يضرب لانهم لا يملكون ما يكفي من الدعم. وبالنسبة للشعب فقد انتهت الحرب. وهم مقتنعون بأن إسرائيل لن تضرب ما لم يبدأ حزب الله  بالتحرش  "


Dreaming of a better Lebanon. Beirut at Night. Photo: Charles Nouyrit / Flickr



Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: