حلم لبنان في السلام مع جيرانه... اسرائيل . 

إذا سقط الأسد فإن حزب الله سيفقد راعيه السوري من الشرق - وترخى قبضته على لبنان. هل يمكن أن ترتفع جوهرة بلاد الشام مرة أخرى؟ وهل سيكون هناك سلام مع إسرائيل ؟ 


إن لبنان يواجه مشكلة خطيرة مع إسرائيل.
كانت البلاد في حرب مع جارتها الجنوبية منذ أن أعلنت الدولة العبرية استقلالها في عام 1948 و اليوم يحظر على المواطنين الإسرائيليين دخول الاراضي اللبنانية و حتى الأجانب  إذا كان لديهم علاقات تطبيع إسرائيلية في جوازات سفرهم. ولا يسمح للمواطنين اللبنانيين بأن يكون لهم أي اتصال من أي نوع مع الإسرائيليين في أي مكان في العالم. إذا اجتمع مواطنون من البلدين على سبيل المثال، على شاطئ في قبرص أو في حانة في نيويورك فانهم سوف يتعرضون الى الملاحقة القانونية تصل الى السجن لمجرد التلفظ بكلمة  مرحبا.
وفي الوقت نفسه وباستثناء المغرب المحتمل، فإن لبنان هو من أهم البلدان التي تعتبر أقل مناهضة لإسرائيل في العالم العربي الاسلامي لطابع مسيحيتها .
في الواقع قبل عقود عديدة افترض العديد من الإسرائيليين أنها ستكون من بين الدول العربية الأولى لتوقيع معاهدة سلام مع الدولة اليهودية. فقد كان من المنطقي في ذلك الوقت مع أقلية هائلة من المسيحيين الثلث (كان للبنان ذات أغلبية مسيحية)، أكثر بلد متنوع ثقافيا من جميع البلدان العربية. وبما أن عددا كبيرا من المسيحيين يصرون على أنهم ليسوا حتى عربا فإن لبنان قد يكون أقل البلدان العربية الناطقة بالعربية. تتشارك عاصمته بيروت مع تل أبيب قواسم مشتركة خلافا لاي مدينة عربية اخرى ،ببساطة، لبنان هو فقط البلد العربي الوحيد حيث يمكن لإسرائيل أن تجد حلفاءه طبيعيين  .

لكن اليوم يفترض على نطاق واسع أن لبنان سيكون آخر بلد عربي يحقق السلام مع إسرائيل.
لفهم هذه المفارقة عليك أن تحاول فهم لبنان ، إن القول بأن لبنان دولة متناقضة فهي كلمة كلمة مبتذلة، ولكنها تعبير كليشيه لأنه صحيح حيث نجد لبنان قد اصبح خليطا من القيم المتناقضة : الغربية والشرقية  - المسيحية والمسلمة - الحديثة والإقطاعية - الديمقراطية والديكتاتورية - العلمانية والطائفية - العالمية والباروقراطية - التقدمية والرجعية ... فهو متسامح و غير متسامح  بقوة. وذلك لأن هناك أكثر من لبنان.
وينقسم لبنان تقريبا إلى ثلثي من المسيحيين والسنة والشيعة، مع 10٪ من السكان الدروز أيضا. كان للمسيحيين علاقات مع الغرب لعدة قرون في حين معظم الشيعة يتطلعون إلى إيران من أجل القيادة والدعم. ويتناسب السنة عموما مع القوى الأكثر ليبرالية ومعتدلة في العالم العربي، وكذلك مع السعوديين. وبفضل كل هذا فضلا عن موقع لبنان بين إسرائيل وسوريا، يميل لبنان إلى أن يصطدم بالصراعات الإقليمية.
ولأن لبنان كان (وإلى حد ما لا يزال) دولة تابعة لسوريا، حتى مناقشة السلام والعلاقات الطبيعية مع إسرائيل لا يمكن ان تحصل الا مرورا بالنظام السوري في دمشق و أي تحرك ديبلوماسي خارج الطاعة السورية يؤدي الى السجن او القتل في كثير من الاحيان . كان هذا هو الحال منذ منتصف الحرب الأهلية في لبنان عندما انسحبت قوات حفظ السلام الدولية من بيروت، وجاءت عائلة الأسد الحاكمة في سوريا للسيطرة على السياسة اللبنانية.

إن لبنان بلد حر أو أكثر حرصا على حرية التعبير، ولكن بالنسبة للقضية الإسرائيلية فهو فعلا دولة بوليسية ، اللبنانيون يخشون التحدث مع بعضهم البعض حول هذا الموضوع. سوف يتحدثون معي، على الرغم من ذلك لأنني من الخارج. انهم حذرون  للغاية، وبطبيعة الحال ان الكثير مما يقولونه سيبقى في  محل الثقة تماما . 
لقد عملت في لبنان وخارجها لمدة ثماني سنوات، وقد لاحظت أن الأمور قد تغيرت منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011.
الخط الأحمر على إسرائيل ليس ظاهرا كما كان عليه. وباستثناء الخطابات المعتادة من حزب الله، أشعر بمزيد من الاعتدال والعقل مما كانت عليه و لا يفاجئني إن السلام بين إسرائيل ولبنان لا يزال بعيدا، لكن الإمكانية الآن على الأقل يمكن تصورها، وذلك أساسا لأن نهاية الطاغية السورية بشار الأسد ستكون بداية نهاية لحزب الله و هم الذين يفرضون الخط الأحمر على إسرائيل.
وقد أصبح هذا واضحا بالنسبة لي عندما تناولت الغداء مع مصباح أهدب ، وهو سياسي سني وعضو سابق في البرلمان من طرابلس، ثاني أكبر مدن لبنان . 

وقال: " إن انتقال ما بعد الأسد سيكون صعبا" كما قال: "نحن نشارك زجاجة من النبيذ في غرفة معيشته "، لأنه لا يزال حزب الله حولها و لكن حزب الله سيضطر الى مواجهة أكثر واقعية ،انهم سيظلون يمتلكون اسلحتهم لكنهم لا يستطيعون الاستمرار فى اثارة عشرات الملايين من الناس الذين يعيشون هنا حيث انهم عدوانيون على كل هذه السنوات ".



والواقع أن حزب الله سيكون محاطا بأعداء ومع خروج عائلة الأسد عن السلطة في سوريا، سيترك حزب الله لوحده عرضة للأقلية الشيعية في منطقة الأغلبية السنية. وجيرانهم المباشرين هم من اليهود والمسيحيين والدروز الذين ليس لدى أي منهم الوقت أو الصبر أو التسامح مع ميليشيات تابعة للوكالة الإيرانية في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وقال "سيكون هناك احتمال حقيقي للتنمية". "يمكن أن يكون لدينا خدمة خط القطار على طول الطريق وصولا الى القاهرة. يمكن أن يكون رائعا ".
انظر إلى الخريطة: الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يسافر بها القطار من بيروت إلى القاهرة تمر عبر إسرائيل وسيحتاج لبنان وإسرائيل إلى حدود مفتوحة وعلاقات طبيعية قبل أن يبدأ شيء من هذا القبيل. 
لكنه لا يستطيع ان يناقشها مع الاسرائيليين. لا يستطيع الحديث عن أي شيء مع الإسرائيليين أو أنه سيذهب إلى السجن. وهو ليس سعيدا بذلك على الإطلاق...




 "دعيت مرة واحدة إلى مؤتمر للاتحاد الأوروبي " كان هناك رجل إسرائيلي من موقع bitterlemons.net يجلس بالقرب مني ويحاول التحدث معي و كان هناك كاميرا حولنا حيث لا يمكن أن ألقي التحية عليه  وعندما بدأت الجلسة قال للرئيس إنه لا يعرف سبب دعوته إلى مكان يوجد فيه أشخاص من الدول العربية ويرفضون التحدث معه. عندما حان دوري في الكلام، خاطبت الرئيس. قلت :  من السخرية أن تكون غير قادر على التواصل، ولكن القوانين في بلدي تمنعني من التحدث إليه. سأذهب إلى السجن ".
لقد سمعت الكثير من القصص المماثلة على مر السنين من اللبنانيين والإسرائيليين، الإسرائيليون يتعرضون للإهانة عندما يدخلون إلى اللبنانيين الذين يرفضون الاعتراف بهم، ولكن أهدب لا يمزح عندما يقول انه سوف يذهب إلى السجن. كان جزءا من الحكومة، لكنه خائف من قوانين حكومته الخاصة. وإذا كان قد حاول تغيير القانون عندما كان في البرلمان، فمن المؤكد أنه كان سيقتل على يد حزب الله أو آخر من حلفاء سوريا.

ولكن ماذا لو كان هناك نظام جديد في دمشق ؟ ماذا لو تم تفتيت قوة و سطوة حزب الله  ؟
سامي الجميل في تقليد عائلي قديم يعمل كعضو في البرلمان اللبناني وهو ابن الرئيس السابق أمين الجميل وابن أخيه بشير الجميل الذي كان رئيسا لبنان المنتخب في عام 1982 قبل اغتياله. كان شقيق سامي بيار عضوا في البرلمان في عام 2006 عندما أطلق رجال يحملون مسدسات آلية النار عليه حتى الموت من خلال الزجاج الأمامي لسيارته.
أسس جيميّل حزب الكتائب الذي كان ميليشيا معروفة باسم الكتيبة خلال الحرب الأهلية في 1970s و 1980s. لقد كان حزب من اليمين المتطرف آنذاك ولكن مثل معظم الأحزاب في لبنان (باستثناء حزب الله) كان يذعن مع التقدم في السن. واليوم فإن الكتائب أكثر الاحزاب شيوعا مع الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية  مع النفس القديم المتشدد الذي لا يرحم.
التقيت سامي الجميل في مكتبه في الجبال فوق بيروت وسألت عما يعتقد أنه قد يتغير في لبنان بدون نظام الأسد المجاور، خاصة إذا كان يعني أيضا حزب الله المعتدل والضعيف : "هل هناك أي احتمال بأن يبدأ الناس على الأقل مناقشة مسار سلام لبناني إسرائيلي مع حكومة جديدة في سوريا ؟ ولا احد يتحدث عن هذا الامر حتى ولو تفاوضت اسرائيل وسوريا مرارا وتكرارا ".
واضاف "انها متلازمة للشعب اللبناني". "على مدى عشرين عاما أي شخص حتى فتح فمه وقال يجب أن نفكر في وجود معاهدة سلام مع إسرائيل ذهب إلى السجن أو قتل"وكان ذلك بسبب السوريين وحزب الله.
وقال "ان الناس يخافون" ... "انها مثل شخص كان في السجن لمدة ثلاثين عاما وعندما يخرج من السجن، يخشى أن يمشي في الشارع ويتحدث مع الناس، هذا هو نفسه بالنسبة للشعب اللبناني الذي اصيب بهذه المتلازمة خصوصا ان حزب الله موجود هنا لتذكيرهم " 
إن معاهدة السلام هي طريق بعيد بطبيعة الحال وسوف يتطلب الأمر بالتأكيد تدمير أو تحويل حزب الله قبل أن يحدث. ولكن الخطوة الأولى هي ازالة هذه المتلازمة وحل الخط الأحمر. وقد تكون هناك طريقة بسيطة نسبيا لتحقيق ذلك " 

ماذا لو جاء الناس من واشنطن الى هنا وقالوا :" مهلا انتم  تحتاجون إلى التحدث مع جيرانكم  "هل الأشياء تتغير؟ "
"نعم  يمكن ان يتغير".ولماذا لا ينبغي ذلك ؟ متلازمة بسيطة لأنها تقوم على الخوف، الصمت، والعقاب. إذا ضغطت الولايات المتحدة على لبنان للتفاوض مع إسرائيل، فإن اللبنانيين على الأقل سوف يكونون قادرين على مناقشة حقيقة أنهم يتعرضون لضغوط من قبل الولايات المتحدة للتفاوض مع إسرائيل. وأولئك الذين يعتقدون انها فكرة جيدة ستعطي الغطاء الدولي. وكما تم فرض الخط الأحمر من الخارج  فإنه يمكن محوه من الخارج.
والواقع أن الشعب اللبناني القوي يمشي في اتجاه الخط الأحمر الآن دون ضغط من الخارج.
وتساءل الجميل: "عندما كان حزب الله قد أجرى محادثات غير مباشرة مع إسرائيل من خلال الألمان ؟ ذهبت الى شاشة التلفزيون. كانت هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها شخص عن هذا. قلت: "كيف يسمح لحزب الله بالتحدث مع الإسرائيليين بشكل غير مباشر من خلال الألمان لإعادة سجناءهم في حين لا يسمح للدولة اللبنانية بإجراء محادثات غير مباشرة مثل حزب الله لاستعادة مزارع شبعا ؟".
ولم يستجب حزب الله لهذا التحدي. ماذا يمكن أن يقولوا ؟ 
كان جيميّل وحزبهم متحالفين مع إسرائيل خلال الحرب الأهلية في لبنان وقد اقسم عم سامي الجميّل الرئيس الراحل البشير انه سيهزم الدولة الفلسطينية التي لمّ عناصرها ياسر عرفات داخل دولته فى جنوب لبنان، والقضاء على الجيش السورى، والتوقيع على معاهدة سلام مع القدس وبطبيعة الحال أيده الإسرائيليون إلى أقصى درجة في عام 1982 وانتخب رئيسا.

" البلد الوحيد الذي دعمنا في ذلك الوقت كان إسرائيل، نحن حقا ليس لدينا أي شيء لإخفاء في هذه المسألة. ونعتقد أنه ينبغي أن يأتي يوم نتفاوض فيه مع إسرائيل بشأن جميع المسائل المعلقة والمتنازع عليها من أجل التوصل إلى سلام دائم على حدودنا الجنوبية. يجب أن ننتهي بذلك و يجب ان يكون لدينا استقرار ".

وفقا لما ذكره توماس فريدمان في كتابه من بيروت إلى القدس، كان من بين الأشياء الأخيرة التي قالها بشير الجميل " لكل أولئك الذين لا يحبون فكرة انني كرئيس سيعتادون عليها  . "وبعد بضع لحظات قام ارهابيون من الحزب القومي الاجتماعي السوري ياغتيال الشيخ بشير .
وكان شقيق بشير أمين قد حل محله كرئيس و كانت الحرب الأهلية في لبنان تنشب ، وبدأ تحالف الكتائب مع إسرائيل في التراجع . وكان حزب الله آخذ في الارتفاع في الجنوب الذي طردت منه منظمة التحرير الفلسطينية - وفي وادي البقاع الشمالي ولم تكن القوات العسكرية لنظام الأسد تخطط لمغادرة لبنان في أي وقت قريب والحلم الإسرائيلي بقيام لبنان الصديق  أمر سابق لأوانه ويتعين تأجيله لجيل على الأقل.
 " نحن نعتقد أنه ليس أمامنا أي خيار في ذلك الوقت، بل أن يكون لنا تحالف مع إسرائيل. لقد قلت ذلك على شاشة التلفزيون. وإذا وجدنا أنفسنا في نفس الموقف اليوم سنفعل ذلك مرة أخرى ،  لم نتمكن من القيام بأي شيء آخر:  السوريون كانوا ضدنا و كان الفلسطينيون يعارضوننا ،  كان المسلمون اللبنانيون ضدنا... كان العالم العربي كله ضدنا. ما كان من المفترض أن تفعل ؟ تعالوا اقتلونا ؟ 
" البلد الوحيد الذي دعمنا في ذلك الوقت كان إسرائيل، نحن حقا ليس لدينا أي شيء لإخفاء في هذه المسألة. ونعتقد أنه ينبغي أن يأتي يوم نتفاوض فيه مع إسرائيل بشأن جميع المسائل المعلقة والمتنازع عليها من أجل التوصل إلى سلام دائم على حدودنا الجنوبية. يجب أن ننتهي بذلك و يجب ان يكون لدينا استقرار ".
واضاف "ليس هناك اي عذر" لماذا يسمح لمصر بان تكون معاهدة سلام مع اسرائيل في الوقت الذي لا يمكننا فيه التفاوض من اجل الهدنة.
 فلماذا يمكن أن يكون لدى الأردن معاهدة سلام بينما لا يمكننا أيضا التفاوض بشأن هدنة ؟ حتى سوريا من دون معاهدة سلام  كانت لها علاقات سلمية مع إسرائيل منذ عام 1974. لماذا لا نحن يمكننا ؟ 
ولماذا يمكن لحزب الله وهو مجموعة شبه عسكرية "مليشيا "  التفاوض مع إسرائيل مرتين من خلال وسطاء ألمان في عامي 2004 و 2009 للإفراج عن سجناءها، ولا يسمح للدولة اللبنانية الرسمية بذلك ؟ "

ترى كم عدد اللبنانيين الذين يتفقون مع الجميل ؟  ومن المؤكد أنه لا توجد أي استطلاعات بشأن هذه المسألة .




Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: