فيما تختلف اورشليم - القدس - عن رام الله  بالضبط ؟ 

* السعوديين ليسوا في مزاج ليحلوا محل الأمريكيين بالرعاية والإطعام المستمرين للفلسطينيين المتعادين.
* المملكة العربية السعودية مثل مصر، لديها مخاوفها الخاصة و لا تملك مزيدا من الوقت لتقضيه في تسوية مشاكل "الفلسطينيين "التي يبدو انهم لا يريدون حلها الى الأبد .
* من الواضح الآن للعديد من العرب أن الإسرائيليين لن يتخلوا ابدا و لن يفرطوا عن جزء من أورشليم - القدس -  فإن لديهم خيارين فقط :

- اما  أن يعدوا حربا جديدة مع إسرائيل في مرحلة ما في المستقبل، وهي حرب لا يمكن للعرب أن يفوزوا بها، بالنظر إلى التقدم التكنولوجي الذي يواصل الجيش الإسرائيلي القيام به دون هوادة، وهذا سيكلفهم الكثير . 

-  أو أنهم يقومون بتخفيض القيمة الدينية للقدس أو ما يسمى " المسجد الأقصى " في نظر المسلمين و ذلك بقبول حجة الأستاذ زيدان، والتي يصعب دحضها على اي حال  أن "أبعد مسجد" لم يكن أبدا في القدس - اورشليم - .


نشرت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا مقالا عن رد فعل الدول العربية على إعلان الرئيس ترامب عن نقل السفارة الأمريكية من تل ابيب الى اورشليم ،  ومن بين تفاصيله الضخمة أن ملازما في الجيش المصري يدعى : أشرف الخولي اتصل بمضيفين حواريين في القاهرة وحثهم على التقليل من شأن القصة. وأفيد بأنه سألهم " كيف تختلف القدس عن رام الله بالضبط  ؟ " وبينما يبدو أن الحكومة المصرية غاضبة من أن القصة و أنكرتها ، و يبدو أن هذا الإنكار هو مجرد استرضاء للشارع العربي المصري لأن حكام مصر لا يريدون بالتأكيد تحريض الجماهير على التظاهر أمام السفارة الاسرائيلية ، فلا يريدون التعامل مع انتفاضة أخرى يمكن أن تؤدي إلى إنعاش ثروات حماس - جماعة الإخوان المسلمين، أعظم عدو للنظام السيسي فهناك ما هو أكثر بكثير بالنسبة للمصريين ليقلقوا بشأنه  وحركة السفارة هي إلى حد بعيد أسفل القائمة. 
هاجم فرع من داعش مؤخرا مسجدا صوفيا في شمال سيناء مما أسفر عن مقتل 305 شخصا وهو أسوأ هجوم إرهابي في تاريخ مصر كما أن الهجمات على الكنائس القبطية والمصلين الأقباط في الحافلات واستهداف الكهنة والأسر القبطية  من قبل داعش، وغيرهم من المسلمين أيضا أصبحت قضية تثير توترا أكثر من أي وقت مضى ، وفي نفس التوقيت الذي  تواصل حماس فيه شن هجمات في سيناء على الجنود المصريين والشرطة المصرية، وتتعاون أحيانا مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام  والتي تتعارض مصالحها حاليا  معها رسميا، وأحيانا بمفردها بالأسلحة المهربة عبر غزة.
 هناك أنواع أخرى من المخاوف، نادرا ما تذكر في الصحافة الأجنبية، مثل التأثير على الاقتصاد المصري إذا أتمت إثيوبيا سد النهضة الكبرى، والتي من شأنها أن تنطوي على تحويل مياه النيل التي حتى الآن تعتبر ثروة مصرية خاصة . 
وفي الوقت نفسه طلبت مصر والسعودية من "الفلسطينيين" أن يهدأوا، بل وأن يقبلوا قرار  نقل السفارة التي يعلمون أنها لن تتغير مهما هدد محمود عباس فليس معه ما يهدد به خلاف ترامب الذي لم يهدد فحسب بل قام فعليا  بتجميد 125 مليون دولار كمساعدات للأونروا مع مزيد من التخفيضات في تمويل الولايات المتحدة للسلطة الفلسطينية وفقا لما ذكره عباس الآن .

المملكة العربية السعودية مثل مصر، لديها مخاوفها الخاصة و لا تملك مزيدا من الوقت لتقضيه في تسوية مشاكل "الفلسطينيين "التي يبدو انهم لا يريدون حلها الى الأبد ،  وهي قلقة جدا من حالة حربها بالوكالة مع إيران في اليمن، وهي حرب استمرت ثلاث سنوات. تمكن الحوثيون الشيعة من إبقاء العاصمة صنعاء على الرغم من الهجمات الجوية السعودية ، تمكن الحوثيون من إلقاء الصواريخ الإيرانية في عقر دار المملكة في العاصمة  الرياض حتى الآن دون أن يصلوا إلى هدف كبير و ليس الشيعةة في اليمن وحدهم المدعومون من الإيرانيين هم من يقلقون السعوديين في الرياض بل يرون أن الإيرانيين يعززون القوى الشيعية في العراق ضد السنة، الذين يرفضون الاستسلام في فقدانهم للسلطة ، في سوريا  يشعرون بالانزعاج من انتصار العلويين (الذي يعتبره السنة شيعة)، وهو انتصار يرجع إلى حد كبير إلى المساعدة التي تلقاها النظام من الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية (و ارهابيو ) الأسد  .

كذلك حزب الله في لبنان الذي يملك أقوى قوة عسكرية لا يملكها  الجيش اللبناني هو أيضا ذراع ايرانية مرتبط بإيران؛ فشلت جهود السعودية  في دعم  سعد الحريري كرئيس للوزراء لأنهم تيقنوا أنه ضعيف جدا لمعارضة حزب الله ، وفي الوقت نفسه  يشعر السعوديون بالضجر من كل ما يعطونه "للفلسطينيين" من دعم و مساعدات دون أن يتوصلوا الى اي تسوية لقضيتهم فضلا على انهم  يعتبرون عبئا و عائقا يشتت الانتباه الدولي و العربي عن الخطر الرئيسي وهو التهديد الإيراني، على وسائل الاعلام و شبكات التواصل الاجتماعي ، بل حتى وصل الأمر بالسعوديين بالتعبير عن رغبتهم في قضاء "العطلة في إسرائيل" وهنا جاء "رد فعل الفلسطينيين" بنفس الطريقة من خلال مهاجمة السعوديين على الشبكات الاجتماعية وإتهامهم بالخيانة و  "غير جديري  بالثقة "  responded in kind,


وتعتبر المملكة العربية السعودية إسرائيل حليفا مفيدا في الصراع مع إيران لأن السعوديون يدركون جيدا أن إسرائيل تمكنت على مر السنين من إبطاء المشروع النووي الإيراني، مع مثل هذه الأعمال المذهلة مثل شركة  cyberweapon Stuxnet  - على ما يبدو شركة أمريكية إسرائيلية دمرت أجهزة الطرد المركزي الإيرانية -  وقد قدم الإسرائيليون بالفعل معلومات عن إيران إلى السعوديين. وقد أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي غادي إيسنكوت علنا استعداده للتعاون مع نظرائه السعوديين ومن ناحية أخرى  فإن "الفلسطينيين" لا يقدمون أي قيمة في الحرب السعودية مع إيران الشيعية.

قد يفترض محمود عباس أن السعوديين سيعوضون عن أي تخفيض في المساعدات الأمريكية ، إذا كان الأمر كذلك، لديه فكرة أخرى قادمة. السعوديون لديهم طرق أخرى لانفاق أموالهم بعيدا في مشاريع مستقبلية تخرجهم من دائرة الاعتماد الكلي على النفط . 
محمد بن سلمان ولي العهد المقبل على وشك إنفاق 650 مليار دولار على مشروع بناء ضخم وسوف تشمل ثلاث مدن  وستكون الأولى التي يطلق عليها اسم القدية  Qiddiya ، على بعد 25 ميلا من العاصمة الرياض، ومن المقرر أن تكون ميجابلكس من وسائل الترفيه المتعددة و الفائقة التطور المنافسة للمدن العالمية  والمدينة الثانية ستكون منتجعا سياحيا في البحر الأحمر، وهو مكان يمكن للعائلات العربية المسلمة  أن تستعد له في ظروف متوافقة مع مجتمعهم  ومن المتوقع أن تكون مدينة نيوم الثالثة مكانا لبناء شركات التكنولوجيا الفائقة، وهو المكان الذي يهدف إلى الحصول على المزيد من الروبوتات من البشر.
 إن مشروع  نيوم الذي يأمل ولي العهد انجازه سيصبح قوة اقتصادية لبلد يحتاج إلى الفطام من اعتماده على عائدات النفط.

وبالنظر إلى هذه الخطط المكلفة، فإن السعوديين ليسوا في مزاج ليحلوا محل الأمريكيين بالرعاية والإطعام المستمرين للفلسطينيين المتعادين. 
هل كان "الفلسطينيون" مستعدين لمناقشة خطة السلام السعودية التي أرسلت في أوائل ديسمبر ؟ 
هل كان محمود عباس جديا في اتباع أحد النصائح التي قدمها السعوديون، بما في ذلك مواصلة التفاوض مع إدارة ترامب رغم نقل السفارة ؟ 
لو لم تكن " ايدي الفلسطينين " دائما ممدودة، كما لو كانت المساعدات السعودية من حقهم الشرعي ربما الأمور ستكون مختلفة الآن. ولكن الأوان قد فات لإصلاح العلاقات الفلسطينية - السعودية.

إن "الفلسطينيين" يكتشفون الآن مع دهشة وفزع  شديدين أنهم لم يعودوا يقودون الدعم الذي لا نهاية له من العرب الآخرين ، في مثل هذا الجو قد يكون هنالك عرب يشعرون بخيبة اتجاه " الفلسطينيين " هؤلاء على استعداد للنظر بجدية في تطور جديد وقابل للضجة الاعلامية و هو الحجة التاريخية التي أوردها الاستاذ المصري يوسف  زيدان  في مسألة المسجد الأقصى من خلال التاريخ الاسلامي و الكتب . 
 في ديسمبر كرر  الاستاذ يوسف زيدان - في برنامج حواري مصري - نفس الدليل التاريخي  التي ادلى به في عام 2015. ، زيدان، وهو باحث مسلم في العقائد الصوفية و الفلسفة العربية في القرون الوسطى من الطب الإسلامي والمخطوطات الإسلامية، والكاتب له  أكثر من 50 كتابا و هو الروائي الفائز في مسابقة "الكتاب العربي" لا يمكن اعتباره عالما فقيرا أو " متصوفا صهيونيا ".
 زيدان ينفي أن  يكون " المسجد الأقصى " المذكور في القرآن (17: 1) هو في نفسه القدس - اورشليم -  وشدد على أنه لا يوجد مسجد في القدس أثناء حياة نبي الاسلام و المسجد المعروف باسم "الأقصى" لم يكتمل حتى 705 م اي  بعد 73 عاما من وفاة محمد. 

السبب في تعيين هويته باسم المسجد الأقصى المذكور في القرآن هو أن الخليفة الأموي في دمشق عبد الملك بن مروان الذي بنى المسجد أراد ان يشيد "المكان المقدس" الخاص بالامبراطورية الاسلامية لمواجهة منافسه السياسي الرئيسي عبد الله بن الزبير الذي سيطر بالفعل على مساجد مكة والمدينة المنورة ، وتحديد المسجد الذي بناه في اورشليم - القدس -  باسم "المسجد الأقصى" - في "أبعد مسجد" المذكور في القرآن 17: 1. ولكن إذا كان مسجد  " الأقصى "لا يمكن أن يكون له وجود في اورشليم - القدس-  خلال حياة  نبي الاسلام  فأين تراه يقع هذا " المسجد البعيد "؟ 
يقول الأستاذ زيدان أنه كان يقع بين مكة والطائف، على الطريق الذي عرفه محمد جيدا ،وجد زيدان ذكر موقعه  بين هاتين المدينتين، في كتابات المؤرخ وكاتب السيرة الأولى لمحمد  الواقدي.
وبعبارة أخرى، إذا كان الأستاذ زيدان على حق  فإنه لا ينكر أن هناك "أبعد مسجد"  لكنه يقول أنه في ... المملكة العربية السعودية. أليس هذا الإدراك هو الذي يوقظ خيال وفخر السعوديين، ناهيك عن كل من يرتبط بصناعة السياحة السعودية، إذا قبلنا حجة الأستاذ زيدان، وهو أمر معقول جدا، ثلاثة أقدس مساجد في الإسلام سيكونون في المملكة العربية السعودية ؟

وبما أنه من الواضح الآن للعديد من العرب أن الإسرائيليين لن يتخلوا ابدا و لن يفرطوا عن جزء من أورشليم - القدس - ، فإن لديهم خيارين  : 
- اما  أن يعدوا حربا جديدة مع إسرائيل في مرحلة ما في المستقبل، وهي حرب لا يمكن للعرب أن يفوزوا بها، بالنظر إلى التقدم التكنولوجي الذي يواصل الجيش الإسرائيلي القيام به دون هوادة، وهذا سيكلفهم الكثير .
-  أو أنهم يقومون بتخفيض القيمة الدينية للقدس او ما يسمى " المسجد الأقصى " في نظر المسلمين و ذلك بقبول حجة الأستاذ زيدان، والتي يصعب دحضها على اي حال  أن "أبعد مسجد" لم يكن أبدا في القدس - اورشليم - .
 قد يتمكن السعوديون بكل سخائهم و ثرائهم بتعزيز هذه الحجة  التاريخية كما ان العرب الاخرين قد يسيرون على نفس الخطى وخاصة المستفيدين في المستقبل أو المحتملين من السخاء السعودي، أو قد يجرؤون على معارضتها بخلاف بطبيعة الحال، "الفلسطينيين"؟  
لم يعد على العرب وغيرهم من المسلمين أن يتخذوا أعذارا لتقاعسهم عن اداء واجبهم الديني اتجاه " القدس " لأنهم يستطيعون الآن أن يشيروا إلى خفض أهميته الدينية، نظرا إلى أن مسجد "الأقصى" الزائف لا يمكن تاريخيا ان يكون في أورشليم - القدس - حتى ولو كانوا متحمسين لإمكانية العثور على الموقع الدقيق بين مكة والطائف على مسجد "الأقصى" الحقيقي  فإن إعادة بناء هذا المسجد، في ما قد لا يكون بالضبط المكان الصحيح (ما لم يكن من الممكن العثور على أنقاض هذا المسجد من قبل علماء الآثار)، ولكن على الأقل سيكون على طريق مكة الطائف، يمكن أن يكون واحدا من تلك المشاريع التي ينفذها السعوديون باسم الإسلام .

أما بالنسبة إلى "الفلسطينيين"، من وقاحتهم فإنهم يرون أن الدول العربية لا تقدم سوى الدعم الفاتر لقضيتهم، والأسوأ من ذلك، رؤية فرحة السعوديين بموقع المسجد الأقصى الحقيقي، فإن هذا من المحتمل ان يؤدي بهم الى الوقوع  في مستنقع دائم من اليأس ونظرا للعقود الستة الأخيرة من الإرهاب،  يعتقد الكثيرون أنهم لم يقوموا طيلة هذه العقود ببناء دولة ولا اظهروا نية جدية في انهاء صراعهم الطويل مع جيرانهم الاسرائليين و ربما ادامة هذا الصراع عاد عليهم بإرادات مالية و امتيازات عالمية لم تسبقهم اليها اي دولة فقيرة منكوبة . 


Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: