جرائم العثمانيين في حق المسيحيين : تراقيا الشرقية * الجزء الثاني 2 .

 الإبادة الجماعية الممنهجة التي استهدفت استئصال اليونانيين في تركيا الإسلامية من تراقيا الشرقية لا تزال غير معروفة للكثيرين وتستحق المزيد من الأبحاث العلمية.


الاضطهاد في عام 1915

بين يناير وأبريل من عام 1915 ، كانت هناك تقارير عن دفن اليونانيين أحياء واعتقال أشخاص بتهم مشكوك فيها. كما ألقي القبض على الكهنة والمدرسين وعائلات بأكملها في السجن  *11

خلال الحرب العالمية الأولى ، تم تجنيد الرجال اليونانيين في تراقيا الشرقية في كتائب عمال سيئة السمعة (Amele Taburlari) حيث كان الرجال يعملون حرفيًا حتى الموت ، حيث كانوا يقومون بأعمال قاسية مع القليل من الطعام و الماء. وكان معدل الفرار مرتفعًا للغاية لدرجة أن النساء تعرضن للضرب على أيدي رجال الدرك بسياط على أخمصهن من أجل الكشف عن مكان أزواجهن.

أعطى الأتراك  اليونانيين في أبرشية غاليبولي و الدردنيل مهلة مدتها ساعتان و تم ترحيلهم خلال أبريل 1915 بحجة الضرورة العسكرية. تم إرسالهم  إلى المناطق الداخلية من آسيا الصغرى دون الطعام والماء إلى أماكن بالقرب من باليكسير على بعد حوالي 200 كم. في المجموع  تم تدمير عشرات القرى والبلدات في منطقة غاليبولي وأرسلوا  22000 يوناني إلى المناطق الداخلية حيث كانوا تحت رحمة الأتراك المعاديين  . * 12

كان فرانك  جاكسون  Frank W. Jackson  من ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية ، رئيسًا للجنة الإغاثة اليونانية  وهي منظمة تأسست خلال الحرب العالمية الأولى لتوفير الإغاثة لليونانيين أثناء الإبادة الجماعية -  في عام 1917 قال :
" دائما ما كان اليونانيون في آسيا الصغرى ملتزمين بالقانون ومخلصين تماما للحكومة التركية. تحت حكم عبد الحميد تم معاملتهم معاملة جيدة ، لكن خلفاؤه تبنوا برنامجا لإبادتهم  ... إلى جانب الأرمن ، تم ترحيل معظم اليونانيين في مناطق مرمورا وتراقيا بذريعة أنهم قدموا معلومات للعدو (*13).

في 15 أبريل 1915 : تم ترحيل اليونانيين  من تشافوشكوي  في منطقة اينيز إلى قرى تركية مثل Beyendi و Pasait ، في حين قام الأتراك من القرى المجاورة بنهب ممتلكاتهم والكنائس والأديرة .14*

من 1 إلى 15 مايو 1915 : تم ترحيل اليونانيين بيوكدر ، كيريتس وييني-ماتشالا (مقاطعة ديركوس). وفي بعض القرى ، اضطر الناس إلى التوقيع على إعلان التخلي على الممتلكات  من تلقاء أنفسهم  بسبب الخوف. وقد تم الاحتجاج على عمليات الترحيل هذه ، ولكن حتى مع ذلك ، ظلت منازل وممتلكات أولئك الذين تم ترحيلهم تحت سيطرة الأتراك *(15)

في الأول من يونيو 1915 ، أُمر سكان بورغاز في مقاطعة ديركوس Dercos المكونة من 3000 شخص بمن فيهم الرجال والنساء وأطفالهم والأطفال وكبار السن بالتخلي عن قراهم وإجبارهم على المشي لساعات إلى  بووكدر. ومن هناك تم ترحيلهم إلى داخل تركيا واستقروا في قرى تركية مثل إيك-كيول وسوليو في مقاطعة إزنيق . تم الاستيلاء على منازلهم من قبل اللاجئين الأتراك .*16

كانت أبرشية إنوس  مكونة من 10057 يونانيًا. حيث في أغسطس من عام 1915 تم ترحيلهم ، من بين 17 كنيسة  تم تدمير 15 كنيسة ، وتم نهب المكتبة التي تحتوي على 1900 مجلداً. وأُحرقت دير سكالوتيس وتم هدم كل من أجيوس بانتيليمون وتسانديري بالكامل. *17 
 ذكر تقرير من القسطنطينية مؤرخ في 8 سبتمبر 1915 أن جميع قرى مقاطعة كيركلاريلي قد أفرغت من سكانها اليونانيين.
من ينيس  تم ترحيل 3،000 يوناني نحو تيكرداج  Tekirdağ.
في 8 سبتمبر تم اجلاء  4000  يوناني من السكان الى سوفيدس ، كما تم ترحيل اليونانيين  من ديميركوي (ساماكوفو) في مقاطعة فيز (5000 نسمة) في هذا الوقت. كانت تورلا وسانت ستيفانو من حي فيز (3150 نسمة) محاصرين بالعصابات التركية ولم يبق أحد منهم .*18 

في سبتمبر 1915 :  تم ترحيل اليونانيين من ينيس  بعد تجريدهم من جميع ممتلكاتهم ووصلوا  إلى هيراكليا بعد مسيرة لمدة أربعة أيام. ثم عبرت الأغلبية إلى الجانب الآسيوي واستقرت في باليكسير وأدا بازار حيث هناك سبق القتل والجلد ترحيلهم بصفة نهائية 
* 19

The New York Times, 4 March 1920.
كانت مدينة اوسكوب Üsküp  وعدد سكانها 6000 شخص الذين لقيوا  مصيرًا مماثلًا. وفي الخامس من سبتمبر ، حاصر البلدة رجال الدرك و 200 تركي تحت قيادة الرئيس السابق لدرك العصمانلي  يوسف بك. تم منع السكان من المغادرة. لمدة خمسة أيام كاملة تعرضوا للتعذيب و ممارسة  القسوة وتم تجريدهم  ما يقارب  3000 ليرة تركية . دفن  الأتراك بعض اليونانيين وهم على قيد الحياة بعد أن أجبروا على حفر قبورهم الخاصة. في 10 سبتمبر تم ترحيلهم أخيرًا *20

كان هاري ستورمر صحفيًا ومراسلًا ألمانيًا لصحيفة كولنش تسايتونج في القسطنطينية خلال الأعوام 1915-1916  في مذكراته بعنوان سنتين من الحرب في القسطنطينية ، كان ستورمر ينتقد بشدة السلطات التركية ومعاملتها لليونانيين  شرقي تراقيا فقد  كتب :
" أود أن أقول هنا كلمة عن هذه الاضطهادات اليونانية في تراقيا والأناضول الغربية التي أصبحت سيئة السمعة في جميع أنحاء أوروبا. وقعت قبل اندلاع الحرب مباشرة ، وكلفت آلاف اليونانيين المسالمين - رجال ونساء وأطفال - حياتهم ، وتحولت  عشرات القرى والمدن المزدهرة الى رماد . *21
في 20 مايو 1919 : أفادت التقارير أن الملازم أولوين هادكينسون ، مسؤول الإغاثة في جنوب تراقيا ، قام بجولة في المنطقة وخلص إلى أن الأسلحة التي يتم توزيعها كانت بمعرفة ومساعدة المسؤولين الحكوميين. حيث كان  الأمن العام منعدما والدعاية المعادية للمسيحية كانت في تزايد خطير  .22

في 25 يونيو 1919 ، ذكر الدكتور ثيوتوكاس الذي يمثل البطريركية المسكونية أن اللصوصية وعمليات القتل والنهب تحدث في جميع أنحاء تراقيا * 23.
  في 30 يونيو 1920 ، ورد أن اليونانيين من مرمرة فروا إلى القسطنطينية بعد أن تم نهب محلاتهم ومنازلهم وقتل بعض السكان. وأضرمت النيران في قرية كارهوفوز التي تضم 100 أسرة ، وقتل سكانها .*23 

استمر اليونانيون في تراقيا الشرقية في الاضطهاد من قبل الكماليين الوطنيين حتى يوليو 1920 عندما أعطيت القوات الهيلينية الإذن الحلفاء لاحتلال تراقيا الشرقية لتوفير الحماية لهم.

Gallipoli-Evacuation-1922
في أيلول / سبتمبر 1922 ، وضعت القوى الوطنية لزعيم القومية  مصطفى كامل حدًا للهيلينية في الشرق بحرق مدينة سميرنا و تحويلها إلى الرماد وتحديد موعد نهائي لبقية العثمانيين اليونانيين لمغادرة البلاد أو ترحيلهم إلى الداخل ؛ وبعبارة أخرى مواجه الموت المحتم . بعد توقيع الهدنة في مودانيا في الحادي عشر من أكتوبر عام 1922 ، تم منح اليونانيين من تراقيا الشرقية 15 يوما لإخلاء موطن أجدادهم والرحيل.
               
وصل الكاتب والصحفي الأمريكي إرنست همنغواي (1892-1961) إلى القسطنطينية في 30 سبتمبر 1922 كمراسل أجنبي لتورنتو ديلي ستار  Toronto Daily Star  للإبلاغ عن الأحداث التي أعقبت حريق سميرنا. في الشهر التالي كان في تراقيا وشهد طرد اليونانيين من تراقيا الشرقية. في رسالته في 20 أكتوبر ، وصف همنغواي الحالة البائسة لليونانيين الذين كانوا يخوضون رحلة شاقة إلى اليونان سيرا على الأقدام .
" في مسيرة لا نهاية لها ، يقوم السكان المسيحيون من  تراقيا الشرقية بتعتيم الطرق المؤدية إلى مقدونيا. يبلغ طول العمود الرئيسي الذي يعبر نهر ماريتزا في ادريانوبل 20 ميل . من العربات التي تجرها الأبقار والثيران والجاموس الموحل ، مع الرجال المنهكين والضعفاء والنساء والأطفال ، والبطانيات على رؤوسهم ، كانوا  يسيرون بصورة عمياء في المطر بجانب مقتناياتهم التي اخذوها معهم ."* 24  
في عام 2013 ، اعترف مجلس نيو ساوث ويلز التشريعي في أستراليا بالإبادة الجماعية لليونانيين في الإمبراطورية العثمانية السابقة، بينما في عام 2015  حذت الجمعية التشريعية لولاية ساوث داكوتا في الولايات المتحدة الأمريكية حذوها. في حين أنه من المشجع أن الاعتراف الأخير بالإبادة الجماعية لليونانيين العثمانيين قد تم بطريقة شاملة ، أي الاعتراف بكل اليونانيين بغض النظر عن المنطقة ، فإن الإبادة الجماعية الممنهجة التي استهدفت اليونانيين  في تركيا الإسلامية من تراقيا الشرقية لا تزال غير معروفة للكثيرين وتستحق المزيد من الأبحاث العلمية.




11. American Hellenic Society, Persecutions of the Greeks in Turkey Since the Beginning of the European War, Oxford University Press, 1918, p 35.
12. File No 391, 867.4016/123, American Embassy Constantinople to the Secretary of State Washington, 10 August 1915.
13. Turks Turned Against Greek, 700,000 Suffer, The Evening Independent. 17 October 1917, 6.
14.American Hellenic Society 1918, ibid, 40-41.
15.Ibid, 41.
16.Ibid.
17.Greek Patriarchate 1919, ibid, 16.
18.American Hellenic Society, ibid, 42-43.
19.Greek Patriarchate 1919, ibid, 10.
20.Ibid.
21.Stürmer, H 1917, Two War Years in Constantinople, George H. Doran and Co, New York. 169.
22.Yeghiayan, V (comp.) 2007, British Reports on Ethnic Cleansing in Anatolia: 1919-1922, Center for Armenian Remembrance, USA, 49.
23.Yeghiayan, V, ibid, 68.
24.Hemingway, E 1922, A Silent, Ghastly Procession, The Toronto Daily Star, 20 October.
Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: