عـــائــشة مُــربية الأجيال الإسلامية . ج 1


لم يمر على الإسلام فترة فاصلة غيرت محطاته التاريخية كتلك التي بزغ فيها نجم عائشة الزوجة المراهقة ، فغالبا ما يصنع الرجال البطولات و يفرضون الفرق على الميدان بقوة السيف في مجال الحرب ، كانت عائشة دوما تلك الطفلة المدللة التي تنتصر على جميع ضرائرها بفعل قوة العاطفة التي تربطها مع محمد ، الى درجة أن يُجاهر ابنته و أزواجه و الناس قائلا  : " لا تؤذوني في عائشة '' ،
ولعل إرهاصات و مقدار الضغط النفسي الذي كان يعانيه محمد كان بسبب أقاويل الناس عنها و الشائعات التي تطارد الفتاة الحميراء التي كانت تصطاد شباب قريش بجاريتها .
من الطبيعي أن تكون لهذه الفتاة اليافعة الرغبة في خوض مغامرات خاصة وهي زُوجت في سن السادسة و بُني عليها ( دخل بها ) حينما بلغت الثامنة كما أكدت الروايات الإسلامية ، على الرغم من المحاولات المستميتة التي يقوم بها زعماء '' التنوير " في العصر الحديث لإثبات العكس ، محاولات تبدو شيئا جديدا في تاريخ الإسلام ، لم يسبق لأحد أن تجرأ ليخوض في الثوابت و الروايات ربما لرفع الحرج ، و حفظ ما تبقى من ماء وجه الرسول " الأعظم '' .
لم تحظى اي من نساء محمد ما حظيت به عائشة من ذكر و توقير و تعظيم ، و تُوجت أماْ للمؤمنين ، حتى زينب التي نكحها محمد بعد أن طلقها إبنه بالتبني زيد ، لم يذكرها " وحي " القرآن حرفيا مثلما ذكر طليقها الذي قضى منها وطرا ، من المؤكد أن مكانة عائشة عند محمد كمكانة والدها الخليفة الذي سيأتي بعده " الصديق" ، ما دعم مكانتها و جعل النبي يتغاضى عن سلوكيات كثيرة لها، رغم ذلك يتضح لنا من خلال بعض الأثر أن النبي كان شديد الغيرة على الطفلة التي تخطو أولى مراحل بلوغها ، 

‏حدثنا ‏ ‏هناد بن السري ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو الأحوص  ‏عن  ‏أشعث بن أبي الشعثاء ‏‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏‏مسروق ‏ ‏قال ‏قالت ‏ ‏عائشة ‏ ‏دخل علي رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وعندي رجل قاعد فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه قالت فقلت يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة قالت فقال ‏ ‏انظرن إخوتكن من الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة .

صحيح مسلم .. كتاب الرضاع .. باب إنما الرضاعة من المجاعة .

كانت عائشة تحصل على أفضل الهدايا و العطايا ، حتى سودة بنت زمعة وهبت لها ليلتها بعد أن همّ المصطفى بتطليقها ، و قيل إنها أرادات بتلك الهبة رضا الرسول؛ حيث كانت تعلم محبته لعائشة .

لا شك أن هذه المزايا التي كانت تتمتع بها عائشة ، خولت لها الحصول على سلطة مهمة في حياة المسلمين ، كانت بمثابة المرجع " الأخلاقي " للمسلمين الذي يورد لهم  الآثار النبوية و سنته في جميع مناحي الحياة ، حتى ادق التفاصيل الشخصية  ، لم يكن الصحاية يشعرون بالحرج حين يستفتونها ما يعطينا مؤشرا مهما على قوة العلاقة و الولاء الذي كانوا يدينون به لها ، 
"‏حدثنا ‏ ‏إسماعيل بن خليل ‏ ‏قال أخبرنا ‏ ‏علي بن مسهر ‏ ‏قال أخبرنا ‏ ‏أبو إسحاق هو الشيباني ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن الأسود ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏قالت ‏‏كانت إحدانا إذا كانت حائضا فأراد رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أن يباشرها ‏ ‏أمرها أن تتزر في ‏ ‏فور ‏ ‏حيضتها ثم يباشرها قالت وأيكم يملك ‏ ‏إربه ‏ ‏كما كان النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يملك ‏ ‏إربه ." 
صحيح البخاري .. كتاب الحيض .. باب مباشرة الحائض.

‏حدثنا ‏ ‏حفص بن عمر ‏ ‏عن ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏الحكم ‏ ‏عن ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏عن ‏ ‏همام بن الحارث ‏‏أنه ‏ ‏كان عند ‏ ‏عائشة ‏ ‏رضي الله عنها ‏ ‏فاحتلم فأبصرته جارية ‏ ‏لعائشة ‏ ‏وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه ‏ ‏أو يغسل ثوبه ‏ ‏فأخبرت ‏ ‏عائشة ‏ ‏فقالت لقد رأيتني وأنا أفركه من ثوب رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏.

‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏رواه ‏ ‏الأعمش ‏ ‏كما رواه ‏ ‏الحكم
سنن أبي داود .. كتاب الطهارة .. باب المني يصيب الثوب .

حصلت عائشة على كامل السلطة النبوية بعد وفاة محمد ، فأصبحت هي من سوف يقود معسكر التمرد الذي كان قابلا للظهور فيما  بعد وفاة والدها الخليفة الأول و مقتل الخليفة الثاني عمر ابن الخطاب ، كانت تمارس كل " صلاحيتها استنادا لشرعيتها و مكانتها المركزية في حياة محمد ، ذلك قادها إلى أن تُجبر أخواتها  و بنات أخيها على إرضاع الرجال مما أحبت هي أن يدخل عليها منهم ، 
كان ذلك بمثابة المنعرج الخطير الذي سلكته أم المؤمنين لفرض " فتواها الدينية " بالإكراه  استنادا لما قاله محمد و ما فعله و اقره تقريرا ، حتى أن ضرائرها رفضن ذلك السلوك بما فيه من خزي و عار و انحطاط ، و رأين أنه كان " رخصة '' مؤقتة لسالم و سهلة بنت سهيل لتذهب غيرة أبي حذيفة .

‏حدثني ‏ ‏يحيى ‏ ‏عن ‏ ‏مالك ‏ ‏عن ‏ ‏ابن شهاب ‏ ‏أنه سئل عن رضاعة الكبير ‏ ‏فقال أخبرني ‏ ‏عروة بن الزبير ‏أن ‏ ‏أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة ‏ ‏وكان من ‏ ‏أصحاب رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وكان قد شهد ‏ ‏بدرا ‏ ‏وكان تبنى ‏ ‏سالما ‏ ‏الذي يقال له ‏ ‏سالم ‏ ‏مولى ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏كما تبنى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏زيد بن حارثة ‏ ‏وأنكح ‏ ‏أبو حذيفة ‏ ‏سالما ‏ ‏وهو يرى أنه ابنه أنكحه بنت أخيه ‏ ‏فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة ‏ ‏وهي يومئذ من المهاجرات الأول وهي من أفضل ‏ ‏أيامى ‏ ‏قريش ‏ ‏فلما أنزل الله تعالى في كتابه في ‏ ‏زيد بن حارثة ‏ ‏ما أنزل فقال ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ‏رد كل واحد من أولئك إلى أبيه فإن لم يعلم أبوه رد إلى ‏ ‏مولاه ‏ ‏فجاءت ‏ ‏سهلة بنت سهيل ‏ ‏وهي امرأة ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏وهي من ‏ ‏بني عامر بن لؤي ‏ ‏إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقالت يا رسول الله كنا نرى ‏ ‏سالما ‏ ‏ولدا وكان يدخل علي وأنا ‏ ‏فضل ‏ ‏وليس لنا إلا بيت واحد فماذا ‏ ‏ترى في شأنه فقال لها رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنها وكانت تراه ابنا من الرضاعة فأخذت بذلك ‏ ‏عائشة أم المؤمنين ‏ ‏فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال فكانت تأمر أختها ‏ ‏أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ‏ ‏وبنات أخيها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال وأبى سائر أزواج النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس وقلن لا والله ما نرى الذي أمر به رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏سهلة بنت سهيل ‏ ‏إلا رخصة من رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في رضاعة ‏ ‏سالم ‏ ‏وحده لا والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد فعلى هذا كان أزواج النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في رضاعة الكبير .
موطأ مالك .. كتاب الرضاع .. باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر

كان لعائشة دور و اثر بالغ في صناعة الإسلام و إدارة بوصلته فيما بعد ، دور لا يقل في أهميته عن دور السيدة الثرية  خديجة بنت خولد التي أطلق عليها الكاتب المسلم خليل عبد الكريم بــ هندوس الإسلام ،  لعل  تجلياته لازالت تظهر لنا في صراعات المسلمين و نقاشاتهم .

Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: