قِوام الدين ، كتاب يهدي و سيف ينصر.. موافقات الإسلام السني و الشيــعي.

 لم تتوقف محاولات المسلمين في إحياء الدولة الإسلامية '' الخلافة ''منذ سقوط الخلافة العثمانية إلى اليوم ، تجلى ذلك في حركات و تيارات و تنظيمات إسلامية تتفق كلها على نفس المبادئ والاهداف : العمل السري ، السعي لإحياء دولة الخلافة ، فرض الشريعة ، لكنها كانت دوما تصطدم بالأنظمة الحاكمة في البلدان الإسلامية التي أفرزها الإنتداب البريطاني و الفرنسي ، مما هو سائد في النظام الدولي الذي يقوم على الدولة الوطنية ، و مبادئ الديمقراطية و حقوق الإنسان بدلا من شعارات الكراهية ضد الغرب والتي تعزز نظريات المؤامرة، لا سيما معاداة السامية.


ظل هدف الإسلام منذ نشأته في البداية السيطرة على المجتمعات و التحكم في الأفراد بفرض ما أُنزل إلــى النبي القرشي ، يٌخطئ منظرو الإسلام و المتتبعون لشؤون التنظيمات و التيارات التي تحمل صبغة دينية في فصل الإسلام عن الايديلوجية التي تكافح هذه التيارات من أجل تحقيقها و ربطها بالمصالح الشخصية الضيقة ، رغم ان البراغماتية  كانت جزءا من الإسلام حيث شهد تحولا من حركة '' إصلاحية '' إدعاها في البداية بمكة إلى دولة دينية شمولية  توسعت فيما بعد خارج الجزيرة العربية ، لم تتوقف محاولات المسلمين في إحياء الدولة الإسلامية '' الخلافة ''منذ سقوط الخلافة العثمانية إلى اليوم ، تجلى ذلك في حركات و تيارات و تنظيمات إسلامية تتفق كلها على نفس المبادئ و الاهداف : العمل السري ، السعي لإحياء دولة الخلافة ، فرض الشريعة ، لكنها كانت دوما تصطدم بالأنظمة الحاكمة في البلدان الإسلامية التي أفرزها الإنتداب البريطاني و الفرنسي ، مما هو سائد في النظام الدولي الذي يقوم على الدولة الوطنية ، و مبادئ الديمقراطية  و حقوق الإنسان بدلا من شعارات الكراهية ضد الغرب و التي تعزز نظريات المؤامرة، لا سيما معاداة السامية.

قِوام الدين ، كتاب يهدي و سيف ينصر... الإسلام ديننا و محمد نبينا ، القرآن دستورنا  . 

 كان نجاح الثورة الإيرانية الخمينية في وصولها إلى الحكم في إيران 1979 بعد سقوط نظام الشاه ، بمثابة '' شعلة الأمل '' التي أحيت في نفوس  زعماء '' الإسلام '' السياسي" السني الحماس و مبايعة المرشد ، رغم أنه قد يبدو للغالبية أن الخلاف التاريخي بين السنة و الشيعة قد يكون جدارا فاصلا بينهما ، و لكن الحقيقة أن قواسما مشتركة كثيرة تجمعهما .

لم يكن مستغربًا أن ترسل مختلف فروع الإخوان العالمية وفودا إلى باريس لتهنئة آية الله الخميني عشية عودته “منتصرًا ” إلى إيران (كان ذلك عقب رحيل الشاه ، وبالتزامن مع انقلاب الإسلاميين على الحكومة الإمبراطورية. وتشير الحقائقُ التاريخية إلى أن النشطاء التابعين للخميني في الغرب عملوا مع مسؤولي الإخوان لسنواتٍ ، ومنهم إبراهيم يزدي، وكذلك المثقف الإسلامي الإيراني علي شريعتي، الذي كان يعيش في بريطانيا، وقد لعب دورًا رئيسًا في تشكيل ما يُسمى “حركة الملا الأحمرred mullah  داخل الثورة، في إشارةٍ إلى دمج المفاهيم الماركسية مع العقيدة الدينية.

لم يكن حسن البنا الزعيم المنظر لأفكار الدولة الإسلامية و لتنظيم الإخوان المسلمين يرى أية غضاضة في التعامل مع الشيعة بل لم يكن يرى أن هناك أية فروقات عقائدية بين السنة والشيعة وان الذي هناك هو مجرد اختلاف مذهبي يشبهه باختلاف المذاهب السنية الأربعة (الحنفية المالكية الشافعية الحنبلية) ويؤكد ذلك ما ذكره مرشد الجماعة السابق عمر التلمساني .

تعود علاقة التنظيم بالحركة الإسلامية الشيعية إلى ما قبل تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران في عام 1979. فقد أسس مجتبى ميرلوحي، المعروف باسم نواب صفوي (1924- 1956)، جماعة فدائيان إسلام ، وهي أول جماعة إرهابية إسلامية في إيران الحديثة وذلك في عام 1946 ولعب صفوي دورًا مهمًا في ربطِ الإسلاميين الشيعة بالحركات الإسلامية في دول أخرى  .

يقول التلمساني : " كان الإمام الشهيد رضوان الله عليه ( وهو يقصد حسن البنا ) ، شديد الحرص على قيام الوحدة ألإسلامية ولا يزال الإخوان المسلمون وسيظلون يعملون لقيام هذه الوحدة مهما لاقوا في سبيل هذا المطلب الجليل لأن المسلمين أمة واحدة بنص القرآن : "وإن هذه أمتكم أمة واحدة ".

ويذكر د. أحمد يوسف في كتابه ( الإخوان المسلمون والثورة الإسلامية في إيران جدلية الدولة والأمة في فكر الإمامين البنا والخميني) ص27 مانصه :

( يرى الإمام البنا أيضا أن " الخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرقة في الدين ، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره"... وعلى الجانب الشيعي كان لأفكار ومواقف رجال مثل محمد القمي وآية الله الكاشاني ونواب صفوي دور كبير أيضا فى تجاوز تلك الحساسيات المذهبية وقد نقل عن نواب صفوي قوله : " لنعمل متحدين للإسلام ولنترك كل ما عدا جهادنا في سبيل عز الإسلام ألم يئن للمسلمين أن يفهموا ويدعوا الانقسام إلى شيعة وسنة .) أ .هـ

 يتضح أن الجماعة ومنذ تأسيسها لا تحمل موقفاً سلبياً أو عدائياً تجاه العقائد والأفكار الشيعية ، مما نتج عنه قيام علاقات مستمرة و وطيدة بين الإخوان المسلمين والحركة الشيعية الإيرانية ومن قبل قيام الثورة الإسلامية في إيران ، مما أثمر عنه العديد من زيارات رموز تلك الحركة الشيعية  إلى مصر ومن هؤلاء ، المعمم نواب صفوي الذي زار القاهرة عام 1954 وبناء على دعوة من سيد قطب عندما التقيا في القدس عام 1953.

من هو المعمم رجل الدين نواب صفوي ؟ 

هو المؤسس الأول وحجر الاساس لما سُمي لاحقا بالثورة الاسلامية في ايران  واسمه كاملا (السيد مجتبى نواب صفوي) شيعي اثنى عشري التوجه ولد بطهران عام 1924م  ، درس المرحلة الابتدائية بمدينة قم بشمال ايران ومن ثم اكمل تعليمه بمدينة النجف بجنوب العراق ويعتبر نواب صفوي قائد ومؤسس جماعة  فدائيان إسلام أي فدائبو الإسلام  وهي واحدة من زعماء الحركة الإسلامية الإيرانية الذين ارتبطوا بعلاقات وثيقة مع الإخوان المسلمين .

فدائيو الإسلام '' فدائيان إسلام '' هي منظمة تدعو لقيام ثورة اسلامية و انشاء دولة تقوم على فكرة ولاية الفقيه . واتخذت العمل المسلح  لتحقيق اهدافها ، كما اعتمدت هذه الجماعة ( فدائيان أسلام ) على نهج الاغتيالات للتخلص من خصومها وكل ما يعيق تحقيق أهدافها ونذكر على سبيل المثال عملية أغتيال الاستاذ احمد الكسروي الذي كان شيعياً لكنه ترك التشيع واتبع مذهب اهل السنة والجماعة و كان قد شغل عدة مناصب مهمة في ايران من ذلك منصب  رئيس محكمة طهران ، ثم عين استاذا في جامعة طهران فمفتشا قضائيا لمدينة طهران وفي اخر المطاف عين افي منصب المدعي العام لطهران .



قام الكسروي بعد تركه التشيع بنشر مقالات ينتقد فيها اصول المذهب الشيعي فلاقت رواجا وقبولا لدى الكثير من العوام والمثقفين في ايران ، مما شجع الكسروي فقام  بتاليف كتاب بعنوان(التشيع والشيعة) ينقض فيه المذهب الشيعي الاثنى عشري  واصوله ولقي قبولا وانشارا في ايران الا ان هذا الكتاب اغضب الكثيرين من ملالي ايران وواجه هجوما عنيفا منهم ، من هؤلاء الغاضبين والناقمين نواب صفوي فقام بنفسه باطلاق النار من مسدس على الشيخ احمد الكسروي وهو في احدى شوارع طهران إلا انه نجا من الاغتيال وتم القبض على نواب صفوي واودع السجن فترة. 
تم اطلاق سراحه بوساطة وفد من علماء النجف لدى الشاه الا أن هذه المنظمة  قامت بإغتيال الاستاذ أحمد الكسروي عام 1945م  وتم القبض على نواب صفوي بتهمة الأغتيال ، الا انه بسبب الضغط الجماهيري وتدخل الحوزات الشيعية اطلق سراحه وللمرة الثانية .

بعد تلك العملية ذاع صيت نواب صفوي وكثر اتباعه وتوسع نطاق منظمته واصبح لها شعبية  كبيرة وكثر المنضمون لها .


زيارة نواب صفوي إلى مصر عام 1954م :

نتيجة للعلاقات الوطيدة بين الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية الإيرانية قبل الثورة ، قام نواب وهو واحد من زعماء الحركة الإسلامية الشيعية الإيرانية الذين ارتبطوا بعلاقات وثيقة مع الإخوان المسلمين في مصر بزيارة إلى القاهرة عام 1954 حيث قابله الأستاذ عمر التلمساني كما أنه كان المتحدث الرئيسي في لقاء جماهيري إخواني بجامعة القاهرة حيث أعلن من خلاله مسؤولية حركته عن اغتيال رئيس الوزراء الإيراني السابق ( رزم آرا ) ..

" كان لهذا الحكم الجائر صدى عنيف في البلاد الإسلامية ، فقد ثارت ثائرة المسلمين الذين يقدرون مواقفه الشجاعة وجهاده المرير , وبادروا من سائر أنحاء العالم الإسلامي إلى إرسال آلاف البرقيات التي تستنكر حكم الإعدام بحق هذا المجاهد البطل لأن إعدامه وفقدانه كان خسارة كبري في العصر الحديث .. ) أ.هـ

" إنه حين يضطهد الطغاة رجال الإسلام في كل مكان يتسامي المسلمون فوق الخلافات المذهبية ويشاطرون إخوانهم المضطهدين آلامهم وأحزانهم ولا شك أننا بكفاحنا الإسلامية نستطيع إحباط خطط الأعداء التي ترمي إلى التفريق بين المسلمين أنه لا ضير في وجود الفرق الإسلامية وليس في وسعنا إلغاؤها، إنما الذي يجب أن نعمل على إيقافه ومنعه هو استغلال هذا الوضع لمصلحة المغرضين." أ.هـ
 مجلة " المسلمون" الناطقة باسم الإخوان المسلمين ، مقالة بعنوان " مع نواب صفوي " جاء فيها " ، مصر كانون الثاني / يناير سنة 1954 .

نواب صفوي لم يكن في ضيافة جامعة القاهرة لوحدها ، بل جلس مع  جمال عبد الناصر و محمد نجيب .


منذ نشأة جماعة الاخوان المسلمين وهي تتبع النهج السياسي والتنظيمي وترى أن هذه الحركة حركة أسلامية عالمية  لابد أن تتجاوز القطر المصري ، لذلك سعت الجماعة لفتح أفرع للجامعة في كل البلدان الإسلامية فحصل لها ذلك . ففتحت المكاتب وجعلت على كل جماعة بلد مراقب عام عليها ويتبع تنظيميا للمرشد العام للإخوان في مصر ومن أجل التنسيق مع هذه المكاتب أنشأ الاخوان مجلسا أسموه ( المجلس التنفيذي ) يضم في عضويته أفرع الجماعة في الدول الإسلامية ، و هذا ما أقلق النظام الحاكم في مصر كون طموح التنظيم الإسلامي يفوق العمل السياسي و '' الإجتماعي " إذ يشكل تهديدا على النظام .

إلا أن هذا المجلس أغلق اضطرارا على خلفية نزاعات الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع الجماعة مما اضطر الجماعة لعقد اجتماعات هذا المجلس خارج مصر ووضعت له لوائح منظمة منها اختيار المرشد العام للجماعة وظل هذا المجلس في التوسع إلى تم تسميته ب ( التنظيم العالمي للإخوان المسلمين ) وجعل له مفوض للعلاقات الخارجية للإخوان المسلمين نذكر منهم الملياردير المصري يوسف ندا ..

تتفق التيارات الإسلامية أو الإسلام السياسي كما يهوى '' الأكاديميون '' تسميته على اختلاف ادواتهم و انتماءاتهم الطائفية ، و تتوحد في نفس الهدف ، و بعبارة أوضح يمكننا القول أن الثورة الإسلامية الشيعية في ايران ساهمت في منح القالب و التنظيم لهذه التيارات لتنخرط في شكل و مضمون المشروع الإسلامي الشمولي و تجسد أفكارها على الميدان بشكل أوضح و منظم  .
لا يمكننا الفصل بين الإسلام و السياسة أو بين الإسلام و الدولة لأن الإسلام كمنظومة أفكار هو من يُشكل الرؤية العامة و الشاملة للمجتمع و الدولة معا ، وهذا ما تحقق في المرحلة الثانية من الدعوة المحمدية في المدينة حيث تحول منهج الوعظ و الشعيرة الدينية التي كان بضعة مسلمون أوائل يقومون بها وهم تحت " نير " الإضطهاد  على يد عشيرتهم في مكة إلى منهج غزو و عسكرة للمجتمع في سيبل البحث عن نفوذ و توسع وكل ذلك كان على منهج الجهاد في سبيل الله .
Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: