في السنة التاسعة للهجرة ، أعلن محمد سيطرته المطلقة على قلب الجزيرة العربية ، و اعتبر ان الاسلام ديناً للمنطقة التي خضعت له وقد جاء الإعلان بالآيات الأربعين الأولى من سورة التوبة .
أيات التوبة لم تعلن الهيمنة العسكرية على أجزاء كبيرة من الجزيرة العربية فحسب ، بل تضمنت موقفا يرى أن الإسلام جينًا مقدسًا ، وأن كل ماعداه من أديانٍ هي عقائدٌ مدنسة . و وسمت ( التوبة ) كل من لا يعتنق الإسلام بأنه نجس ، فقالت : 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا .
و المشرك ، في منظور الإسلام ، هو كل من يؤمن بالله لكن يجعل له شريكا ما ، جاء في لسان العرب : '' وأشرك بالله : جعل له شريكا في ملكه .. و الشِرك : أن يجعل لله شريكًا في ربوبيته ''، هذا التعريف الفضفاض  يشمل اليهود و المسيحيين ، اضافة إلى وثنيي الجزيرة العربية الذين يؤمنون بالله لكنهم ينظرون إلى الأصنام كوسائط أو شفعاء لدى الله . باختصار أن المشرك ، المعتبر نجسًا حسب الرواية الإسلامية ، هو كل من لا يتبع مفهوم الإله كما قدمه محمد .

تراوح فهم مشايخ الإسلام لنجاسة المشرك بالأقوال التالية :
إن وصف المشركين بالقذارة تعبير مجازي يُقصد به تحقيرهم .
إن النجاسة سببها كونهم لا يغتسلون بعد الجنابة ( الممارسة الجنسية ) ، '' ولأنهم لا يتطهرون ، ولا يغتسلون ، ولا يجتنبون النجاسات ''، (تفسير الكشاف  - سورة التوبة ج 3) و الطريف  إن هذا لا ينطبق على المسلم ، فهو طاهر في كل حالاته . نقرأ بأن محمدا لقي حذيفة  ، فأخذ محمد بيده ، فقال حذيفة له : '' يا رسولالله ، إني جُنبٌ ، فقال ( محمد ) : إن المؤمن لا ينجس '' .
" 279 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَ ، قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَاهُرَيْرَةَ ، قَالَ كُنْتُ جُنُبً افَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَاعَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُسْلِمَ لَايَنْجُسُ" .
صحيح البخاري  - محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي- كتاب الغسل - باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس- الجزء الأول - [ص: 109] – طبعة دار ابن كثير - سنة النشر: 1414هـ / 1993م .
تفسير الطبري سورة التوبة 28 ) .

ألا يلاحظ القارئ طرافة الحديث بين هذا الصحابي و نبيه ؟

إن المشرك نجس بجوهره ، و بتكوينه البيولوجي ، فثمة قول يعود إلى ابن عباس يقول فيه : '' ما المشركون إلا رجس خنزير و كلب ''، و رُوي عنه أيضا قول : '' أن أعيانهم نجسة كالكلاب '' ، و بعض شيوخ السنة يقول إن '' معنى الآية إنهم أي المشركون ، بمنزلة الأعيان النجسة في وجوب الإجتناب ''، و من هذا المنطلق حظر المسلمون على اليهود و المسيحيين دخول مساجدهم ، وحتى أن بعض فقهاء الإسلام طلب عدم مصافحتهم ، '' من صافحهم فليتوضا '' ، يقول البغوي فى تفسيره للنص:

" قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ : وَجُمْلَةُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ :
أَحَدُهَا : الْحَرَمُ ، فَلَا يَجُوزُ لِلْكَافِرِ أَنَّ يَدْخُلَهُ بِحَالٍ ، ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ مُسْتَأْمِنًا ، لِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَإِذَا جَاءَ رَسُولٌ مِنْ بِلَادِ الْكُفَّارِ إِلَى الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ فِي الْحَرَمِ لَا يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْحَرَمِ ، بَلْ يَبْعَثُ إِلَيْهِ مَنْ يَسْمَعُ رِسَالَتَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ . وَجَوَّزَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لِلْمُعَاهَدِ دُخُولَ الْحَرَمِ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ : الْحِجَازُ ، فَيَجُوزُ لِلْكَافِرِ دُخُولُهَا بِالْإِذْنِ وَلَكِنْ لَا يُقِيمُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مَقَامِ السَّفَرِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّىلَاأَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا " . 
فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْصَى فَقَالَ : " أَخْرِجُواالْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ " فَلَمْ يَتَفَرَّغْ لِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خِلَافَتِهِ ، وَأَجَّلَ لِمَنْ يَقْدُمُ مِنْهُمْ تَاجِرًا ثَلَاثًا . وَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ مِنْ أَقْصَى عَدَنِ أَبْيَنَ إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّولِ ، وَأَمَّا الْعَرْضُ فَمِنْ جَدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ .

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : سَائِرُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ ، يَجُوزُ لِلْكَافِرِ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا بِذِمَّةٍ وَأَمَانٍ ، وَلَكِنْ لَا يَدْخُلُونَ الْمَسَاجِدَ إِلَّا بِإِذْنِ مُسْلِمٍ .

أنظر تفسير البغوي - الحسين بن مسعود البغوي - سورة التوبة - تفسير قوله تعالى:" ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين "- الجزء الرابع - [ ص: 32 - 33 ] – طبعة دار طيبة .

و يُتحفنا مفسر معاصر بالقول : '' شريرون خبثاء، بسبب الشرك و قبح الأخلاق ''، و هذا قول يميل إلى الزيدية وهم فرع من الشيعة أقرب إلى السنة مع تلوينات معتزلية .
"النَّجَسُ مَصْدَرُ : نَجِسَ نَجَسًا وَقَذِرَ قَذَرًا ، وَمَعْنَاهُ ذُو نَجَسٍ ، وَقَالَ اللَّيْثُ : النَّجَسُ الشَّيْءُ الْقَذِرُ مِنَ النَّاسِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَرَجُلٌ نَجِسٌ ، وَقَوْمٌ أَنْجَاسٌ ، وَلُغَةٌ أُخْرَى رَجُلٌ نَجِسٌ وَقَوْمٌ نُجْسٌ وَفُلَانٌ نَجِسٌ ، وَرَجُلٌ نَجَسٌ وَامْرَأَةٌ نَجَسٌ . وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ كَوْنِ الْمُشْرِكِ نَجَسًا ، نَقَلَ صَاحِبُ "الْكَشَّافِ" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَعْيَانَهُمْ نَجِسَةٌ كَالْكِلَابِ وَالْخَنَازِيرِ، وَعَنِ الْحَسَنِ مَنْ صَافَحَ مُشْرِكًا تَوَضَّأَ ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْهَادِي مِنْ أَئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ ، وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى طَهَارَةِ أَبْدَانِهِمْ " .
التفسير الكبير  أو مفاتيح الغيب - الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل - سورة التوبة - قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس [ ص : 20 – 21] – طبعة دار الكتب العلمية ببيروت - سنة النشر: 2004م – 1425هـ .
و تعليقا على قاعدة '' ومن صافحهم فليتوضأ " ، يقول الطبرسي ، المفسر الشيعي : '' وهذا يوافق ما ذهب إليه أصحابنا من أن من صافح الكافر و يده رطبة وجب أن يغسل يده ، وان كانت أيديهما يابستين مسحهما بالحائط '' ، وهذا الرأي يرد أيضا لدى مفسر آخر، محمد حسين الطباطبائي ، في كتابة الميزان في تفسير القرآن .

على مبدأ نجاسة التكوين البيولوجي لغير المسلمين يتفق الشيعة و السنة ، وهو اتفاق نادر بين هذين المذهبين الرئيسيين ، وربما تذكر ذلك يساعد على التقريب بين المذهبين المتناحرين .

غاية الوصف :
وصف المشركين بالنجاسة جاء في سورة تحريضية على مقاتلة كل من لا يدين بالإسلام ، و المطالبة بفرض الإسلام على كافة الناس، في حالة المسيحيين و اليهود فإن السورة تقبل عدم اعتناقهم الإسلام ، بشرط الخضوع للسلطة الإسلام السياسية و الإقرار بالدونية الإجتماعية أمام المسلمين ، في هذا الخطاب التحريضي للسورة ، والتي شكلت قفزة كبيرة في النزعة العدوانية ، كان من الضروري أن تشتمل على عبارة تسمح للمسلم بتقبل فكرة القضاء على غير المسلمني ، فعندما يصبح الآخر نجسا حسب التوصيف الإلهي ، و باستعمال مفردة محملة بالدلائل السلبية ، وغير مكررة في القرآن ، فإنه يتشكل في ذهن المسلم مجموعة صور :

1.النجاسة بمعنى عدم النظافة ، وهي فكرة تهدف إلى إثارة نفور مرضي من الآخر .ابن حزم وهو من الآباء الكبار للفكر السني ، يعتبر أن المسلم الذي يتزوج مسيحية فإن عليه عندما يمسه عرقها أو لعابها ، أن يتطهر منهما مثل ما يتطهر من البول .

2.النجاسة بمعنى فساد الطبع ، وهذه بدورها تحرض على إلحاق الأذى بغير المسلم ، على اعتبار إن الإرهاب الذي يمارسه الإسلام ضد الآخر هو عملية تطهير للعالم من '' الفاسدين الأنجاس '' ، و ربما نجد هنا أقدم النظريات التي تبرر ارتكاب المجازر ضد الإنسانية .

عندما تتماثل هاتان الصورتان في مخيال المسلم ، يغدو أكثر تقلا لفكرة إبادة هذا العنصر '' النجس ''( المشرك ) ، و أكثر قدرة على المشاركة في عمليات القتل و التدمير ، و عبارة سيد قطب في علوم القرآن تكشف الهدف التحريضي للعبارة : '' انما المشركون نجس ''، وهو يقول "  يُجسم التعبير نجاسة أرواحهم فيجعلها ماهيتهم و كيانهم ، فهم بكليتهم و بحقيقتهم نجس ، يستقذره الحس ، و يتطهر منه المتطهرون ، وهو النجس المعنوي لا الحسي في الحقيقة ، فأجسامهم ليست بذاتها . إنما في طريقة التعبير القرآنية بالتجسيم '' .

هذا مثال على كيفية نظر الإسلام للديانات الأخرى .و مع ذلك ، لا يفتأ خطباء المسلمين و شيوخهم و مشعوذو الفضائيات يتشدقون 
بالإدعاء بسماحة هذا الدين .

هامش بصدد ما يسمى التنوير الإسلامي :
تعتبر الأدبيات الإجتماعية العربية المعاصرة محمد عبده أحد رواد النهضة العربية ، وإماما لمدرسة التنوير الإسلامي ، وقد سعت تلك الأدبيات لتفسير أسباب فشل هذه المدرسة ، لكنها جميعها تجاهلت السبب الحقيقي لفشل التنوير ، إلا وهو أنه اسلامي . إذ يعود الفشل – علاوة على عوامل أخرى – إلى كون النهضة التي أراد بناءها أصحاب هذه المدرسة تستند على الإسلام .
- كيف يتفق الإسلام و النهضة ؟. 
- كيف للسلاسل أن تُحرر سجينا ؟
- و كيف للخرافة أن تُؤسس علما ً ؟

لنر آية '' انما المشركون نجس '' لدى إمام الحداثة كيف تُفسر : 
رفض محمد عبده في تفسيره المنار ، فكرة نجاسة المشرك الجسمانية ، و أضاف القول :'' وجملة القول أن لفظ النجس في القرآن جاء بمعنى اللغوي المعروف عند العرب لا بالمعنى العرفي عند الفقهاء ، وكانت العرب تصف بعض الناس بالنجس و تريد به الخبث المعنوي كالشر و الأذى '' . يبدو أن ما دفعه لتبني هذا الموقف حقيقة أن '' في هذا العصر الذي صار فيه الكثيرون من الشعوب الغير إسلامية  أشّد عناية من المسلمين بالنظافة ''  .

ولكن هذا الموقف الذي لاح للوهلة الاولى '' أنه تنويري '' لم يحل بين قائله و بين الرجوع القهري الى الرأي التقليدي و القول بعد أسطر : '' يشركون بالله ما لا ينفع و لا يضر ، فيعبدون رِجس من الأوثان ، و الأصنام و يدينون بالخرافات و الأوهام ، و لا يتنزهون عن النجاسات و لا الآثام و يأكلون الميتة و الدم من الأقذار الحسية ،  و يستحلون القمار و الزنا من الأرجاس المعنوية و يستبيحون الأشهر الحرم . و قد تمكنمت صفات النجس منهم حساً و معنىً كأنهم عينه و حقيقته '' .

المفكر النهضوي ، الحداثي ، التنويري ، إمام المدرسة الإصلاحية ، و رغم زيارته لباريس و بيروت و تونس ، و رغم قوله :  
" في هذا العصر الذي صار فيه الكثيرون من الشعوب الغير الإسلامية أشد عناية من المسلمين نظافة " ، نسي بعد ثوانٍ ما قال ، لأن الصورة النمطية عن نجاسة غير المسلم متأصلة في ذهنه ، فيرى فيهم : الشرك و الأوثان ، و الخرافات و الأقذار ، و القمار و الزنى ...
إمام التنوير لم يوفر في تفسيره حتى الشيعة من هجماته ، رغم أنه عاش في مصر وحيث لا يوجد الإحتقان الطائفي ، مثال حال المشرق العربي ، ولكن ماذا يمكن لمُنظرٍ إصلاحي أن يُقدم غير الكراهية ضذ الآخر وحتى لو كان ابن دينه المحتلف عنه مذهباً ، ما دام يرتكز على الإسلام ، ناهيك أنه سنيٌ يروحٍ وهابيةٍ .



مالك مسلماني 19 جانفي 2008 .
جاءت المقالة تحت عنوان : عنصرية الإسلام : حينما يكون غير المسلم نجسا ً .
تنقيح الناشر .
Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: