اندلعت موجة أخرى من الثورات التي كان النظام الجزائري يخشى حدوثها  دائما في السنوات السابقة ، و لم يكن الأمر بالمفاجأة في ظل الأوضاع المتدهورة لحالة البلاد التي لم تعد تقبل اي " عمليات ترقيع '' أخرى ـ تعوّد نظام حزب جبهة التحرير الحاكم إجراءها ضمن جهوده لمنعها.
اليوم ، أصبحت العدوى الوبائية كورونا شبحاً أخر يطارد جميع الجزائريين مثل العالم ، وباء بدأ في الإنتشار و أزمة إقتصادية بدأت تلوح بالأفق ، و حركة احتجاجية مؤجلة .
كيف سيواجه النظام الجزائري الجديد هذه الأزمة الصحية في البلاد ؟
ماذا يتوقع الجزائريون من رئيسهم '' المُنتخب '' ؟


منذ بداية الحركة الشعبية في الجزائر في 24 فبراير 2019 التي فجروها ضد ترشح الرئيس المخلوع بوتفليقة لعهدة خامسة ، لم يتوقف الجزائريون عن الاكتظاظ و التزاحم كل يوم جمعة في العاصمة الجزائرية ، على الرغم من حملة العنف واعتقالات النشطاء الذين رفعوا العلم الأمازيغي وهتفوا ضد القادة العسكريين.
لم يوقف انتخاب "رئيس جديد" الحركة الاحتجاجية في الشارع رغم تمرير الإنتخابات التي أسمتها المعارضة بــ المهزلة  ، ولم يحقق أداء "النظام الجديد" تطلعات الجزائريين الذين حلموا بها لعقود رغم الوعود التي قدمها مُرشح الرئاسيات .
قطاع الصحة يتدهور بالرغم من عمليات الترميم "السطحية". بدأ الاقتصاد في الإنحدار منذ انهيار أسعار النفط نتيجة النزاع السعودي والروسي حول تقنين حصص الإنتاج و الأسعارفي الأوبك ، التعليم ليس أفضل من هذه القطاعات.
 يشهد هذا القطاع الحساس هو الأخر كل عام حركات احتجاجية وإضراب المعلمين والإداريين الذين يحتجون على وضعهم المتدني وظروف العمل على جميع المستويات.
يخاطب الرئيس المنتخب شعبه في كل نشرة أخبار مسائية  تُبث على القناة الحكومية ، مُطمئناً إياهم بأن كل الأمور تحت السيطرة.

يتساءل الجزائريون : كيف سيستعيد الرئيس الجديد '' عبد المجيد تبون'' الذي كان رئيسا في حكومة النظام السابق  الأموال المنهوبة التي وعد بها وقال إنه يعرف مكانها ، هم بالكاد يعولون عليها ؟

في خضم هذا ، بدأت المؤسسة الرئاسية في قصر المرادية في سياسة التنكيل و تصويب أصابع الإتهام إالى منتقدي أداء الرئيس مشيرة إليهم بأنهم " أولئك الذين لا يحبون الخير لأنفسهم وللوطن. ''
في محاولة لتهدئة حالة الغليان المتوقعة في الشارع ، خاصة في ظل الظروف الحالية التي يمر فيها العالم بأزمة صحية تجتاح دول الأقطاب الاقتصادية الرئيسية.
أثار النشطاء حالة الطوارئ و دقوا ناقوس الخطر منذ ظهور أولى حالات الوباء المستجد في البلاد ، وأشاروا إلى حقيقة أوضاع المستشفيات الغير مناسبة ،  والإمكانيات الششحيحة .

تُفضل الدولة الجزائرية تمويل بناء أكبر مسجد في القارة الإفريقية مُزود بملحقات على أن تُوفر لشعبها مستشفى لائق و مُتطور بأحدث الوسائل .

كشفت صحيفة سويسرية عن طرد أحد قيادات الجيش من المستشفى لإخلاء المكان ، عبد الحميد جريس الأمين العام لمديرية الدفاع الوطني .
اضطر اللواء عبد الحميد جريس ، وهو أحد إطارات المؤسسة العسكرية الجزائرية ، إلى مغادرة غرفته في المستشفى الجامعي بجنيف (HUG). في الواقع ، أخبره مسؤولو المؤسسة أن المستشفى كان مثقلاً بسبب وباء الفيروس التاجي وأنه اضطر إلى إخلاء مكانه لاستقبال المرضى من الوباء المستجد Covid-19.
وقد أعرب الجنرال عن خوفه من عدم قدرته على العودة إلى سويسرا في زيارات المتابعة التي قام بها بعد الجراحة ، بسبب توقف الرحلات الخطوط الجوية بين أوروبا والجزائر.
ومع ذلك ، رفض مستشفى جنيف رفضاً قاطعاً طلب الضابط الكبير في الجيش الجزائري. وأوضح مسؤولو المستشفى الجامعي في جنيف أن البلاد في خضم أزمة صحية. ونتيجة لذلك ، كانت المنشأة بحاجة إلى أسرّة وجميع أفراد طاقمها الطبي بسبب العدد الكبير من ضحايا فيروس ووهان.
بالإحباط والغضب ، قبل الجنرال الجزائري "مصيره" و قرار إدارة المستشفى .

كبار المسؤولين الجزائريين يُفضلون العلاج في المستشفيات الغربية بدلاً من تطوير الصحة في بلادهم!

من دفع الفاتورة ؟ سفارة الجزائر في سويسرا بأموال الشعب ومُقدراتهم التي تستغلها القيادات في دعم أنظمة إفريقية داخل الإتحاد الإفريقي من خلال محو الديون  و تقديم حصص لــ  جماعة البوليزاريو و السلطة الفلسطينية . كل هذه الدعائم تُعزز بقاء النظام الحالي الذي يُحاول تجديد مظهره و يُلغي سيادة الشعب من المعادلة الديمقراطية .

يتم دفع فواتير المستشفيات الضخمة لعلاج الرؤساء والجنرالات في الخارج ، لأن قيادة البلاد ترفض بناء نظام صحي حقيقي يستفيد منه الجميع في الجزائر. " أنا أولاً ، لابد للشعب الجزائري أن يتشقف ، وأن يموت. "
 كيف يمكن لدولة تجلس على بيضة من ذهب منذ الاستقلال لتكون غير قادرة لبناء نظام صحي متكامل ومتطور يستفيد منه الجميع في الجزائر، من المواطن الفقير إلى أعلى منصب في البلاد ؟

إن النفط هو المصدر الرئيسي لثروة البلاد ، حيث يُمثل 96٪ من صادرات الدولة الخالية من الصناعة و موارد أخرى .

إن انهيار الاقتصاد الجزائري يجعل البلاد غير قادرة على شراء الأدوية والمعدات الطبية الأساسية. ترفض السلطات الصينية دعم الجزائر وتقديم المساعدة الطبية للتخفيف من حدة مكافحة وباء كوفيد 19.

تطالب الصين ، التي كانت الشريك التجاري الأول للجزائر في السنوات الأخيرة ، بأن تدفع الجزائر متأخرات بقيمة 3 مليارات دولار قبل بيعها كميات كبيرة من المعدات الطبية كضمانات لتسديد ديون الدولة الجزائرية لشركاتها العامة والخاصة.
تعاقدت الدولة الجزائرية على ديون مع عدة شركات صينية أبرمت عقوداً عامة في البلاد. تطالب السلطات الصينية بسداد هذه الديون قبل بيع كميات كبيرة من الأدوية والمعدات الطبية للجزائر لوقف انتشار وباء الفيروس التاجي.
ستنفد المستشفيات الجزائرية قريبا من الأدوية الأساسية للمرضى في وحدات العناية المركزة ، سيتم استنفاد المخزونات في غضون أيام قليلة
وقد تطور الوضع إلى درجة أن المستشفيات قد لا تكون قادرة على تقديم الرعاية في وحدة العناية المركزة. ينفجر الطلب على بعض الأدوية بنسبة 1000 ٪.

تبيع الجزائر حقول النفط والغاز للصينيين بخسارة فادحة ، ولذلك أبلغت الجزائر الصينيين بعزمها على التضحية بجزء من حقول النفط والغاز من أجل الحصول السريع والعاجل على وسائل الحماية والمعدات الطبية اللازمة لمكافحة وباء الفيروس التاجي الصيني.

الصينيون غير مطمئنين لأنهم قلقون بشأن تقصير الدولة الجزائرية و بشان المدفوعات المتأخرة في الوقت الذي إنهار فيه سعر البرميل إلى حوالي 20 دولارًا اليوم - أقل من سعر البرميل الفارغ !
وفي مواجهة الوضع ، عرضت الجزائر على السلطات الصينية "تنازلات" و "عقود عامة" كضمانات للدفع ، مقابل تسليم كميات كبيرة من المنتجات الطبية ووسائل الوقاية.
عرضت الجزائر امتيازات النفط والغاز للشركات الصينية التي ستمول شراء المعدات الصحية التي تحتاجها الجزائر ، في هذا السياق ، تتفاوض شركة النفط الصينية Zhongman Petroleum and Natural Gas Group Co (ZPEC) على الفوز بعقود النفط في الجزائر. بموجب قانون المحروقات الجديد المثير للجدل ، من خلاله تخرج الدولة كطرف يفرض قيود و يٌمّكن الشركات الأجنبية الإستفادة من الإمتيازات المفتوحة  لمواجهة الأزمة الإقتصادية التي لا محالة منها ، وقع الصينيون للتو عقدا مهما للتنقيب في حقل بئر السبع بمنطقة حاسي مسعود على بعد 800 كيلومتر جنوب شرقي العاصمة الجزائر. إنه سوق أول بقيمة 36 مليون دولار.

أبلغت الجزائر شركائها الصينيين بأنها مستعدة لمنح عقود أخرى أكبر بكثير ، حتى المشاريع الضخمة المُجمدة مثل تلك التي سيتم تنفيذها في ميناء شرشال الكبير المستقبلي ، على بعد 68 كم غرب العاصمة الجزائر ، سيتم إعادة إطلاقها ، وسيُسند استغلالها التجاري لفترة طويلة إلى المجموعات الصينية. بهذه الآلية ، تأمل الجزائر في طمأنة الصين وكسب تأييدها في هذه الأوقات الصعبة.

طلبت الجزائر 100 مليون قناع طبي و 30 ألف مجموعة فحص من الصين. ومع ذلك ، فإن هذا الأمر لا يكفي لإبطاء انتشار الوباء. إن الجزائر بحاجة إلى المزيد ، ولا سيما لتقديم خدمات الإنعاش القادرة على وضع المرضى الجزائريين في حالة خطيرة تحت التنفس الاصطناعي.
وللقيام بذلك ، سيتعين عليها استيراد الكثير من أجهزة التنفس الصناعي وغيرها من المعدات الطبية.

تخطط السلطات الجزائرية لوضع خطة تمويل بقيمة مليار دولار ، لكن للحذر و تجنب استنزاف موارد النقد الأجنبي للبلاد ، تفضل السلطات الجزائرية أن تدفع للصين "امتيازات" ، أو عقوداً وامتيازات تجارية طويلة الأجل ، أو "في عقود عامة".
فيما تحذر مذكرة دبلوماسية فرنسية من عواقب جائحة كوفيد 19 في أفريقيا.
 المُذكرة تدعو إلى تعبئة الموارد العلمية في وجه القادة الذين هم في الوقت نفسه غير شرعيين وغير أكفاء وجشعين. وتلاحظ المذكرة أن معظم البلدان الأفريقية غير قادرة على حماية سكانها.
 وتحدد المذكرة ما يلي:
"في مواجهة عجز الدولة عن حماية سكانها وفي مواجهة الطموحات الانتهازية السياسية للبعض ، من الضروري دعم أراء الخبراء العلميين الأفريقيين والمتخصصين في الصحة. هناك مجتمع علمي طبي أفريقي يمكن تعبئته ودعمه. ستعيد أزمة Covid-19 مفهوم الصالح العام خارج أيدي الحكام ، في الخطاب ولكن بشكل خاص في ميزان القوى السياسية للسيطرة على الدولة ، أثناء وبعد الأزمة.
 كما تحذر نفس الملاحظة من أن " التيارات الإسلامية " التي تُسارع بالفعل للاستفادة من الوضع. وبالتالي فهي مسألة "عاصفة قادمة إلى أفريقيا" و سوف "تهب كثيرا".
من المؤكد أن عواقب الوباء ستكون سلبية ، تشهد انفجارات اجتماعية من ناحية و حالة تعنت داخل العديد من الأنظمة الاستبدادية أو الديكتاتورية. الجزائر من بين الدول التي من المحتمل أن تشهد حبسًا كاملاً للمجتمع لمنع انفجار الوضع الاجتماعي الذي سينتج عن الوباء وإدارته الفوضوية.
النظام الذي بات يُعرف مستوى الفساد فيه عند كل جزائري ، يدعو الشعب اليوم إلى التبرع لمواجهة الوباء المستجد و التعامل مع الأزمة الصحية . النظام ظل يختلس أموال الشعب طيلة عقود و يُبددها في تحسين مظهره الخارجي، و عندما تكون هنالك أزمة ، يطلب منهم المساعدة .
لقد فهم الجزائريون أن نخبهم غير الكفؤة والفاسدة هي السبب الرئيسي لمشاكلهم الاقتصادية.
 ارتفاع مستوى الفساد واستيراد الأسلحة في البلاد كان أبرز عامل لفشل المنظومة الإقتصادية  و انعدام وجود البنية التحتية ، حيث لازال النظام منذ الإستقلال 1962  إلى اليوم يعتمد إعتماداً كلياً على البترول هذه الطاقة الفانية ، ولا يُحاول مُجرد المحاولة تطوير إمكانياته و أدائه خارج قطاع المحروقات .
حان الوقت لإجراء الحلول الراديكالية كضرورة قصوى هذه المرة في ظل تدهور مداخيل الخزينة من العملة الأجنبية .

Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: