رفع التلاوات القرانية بمكبرات الصوت في مساجد الجزائر ، هي الوسيلة المُثلى والوصفة الفعالة دوما لتنويم الجزائريين في مواجهة الواقع المُزري الذي لا يُبشر بالخير أبدا ، في ظل الأزمة الصحية الراهنة .هي حالة تدهور تنتظر الإعلان فقط .
أزمة صحية عكست الواقع الاقتصادي العام في البلاد و عيوب المنظومة الحاكمة .
هل سوف يستفيد خصوم الدولة و" نمطها " من هذه العيوب لصالح  تحقيق أيديلوجيتهم الإسلامية القديمة ، أو سوف تعود السلطة إلى عادتها القديمة ، تًغازلهم و تُحاول ارضائهم بدل إصلاح عيوبها .؟ 


صدحت مُكبرات الصوت مؤخرا ، بمختلف مساجد الجزائر بآيات قرآنية ودروس وأدعية " لرفع " وباء كورونا عن البلاد وحفظها من كل مكروه ، وقد أثلجت تلك التلاوات صدور كثير من الجزائريين وأثرت فيهم كثيرا، بعد أن أوصد فيروس كورونا أبواب بيوت الله في وجوههم.
ويأتي ذلك استجابة لتعليمة وزارة الشؤون الدينية والأوقاف التي طلبت فيها بث القرآن في جميع مساجد الجمهورية تاركة المجال مفتوحا لضبط المدة الزمنية والأيام المختارة لذلك.

تبدو كل الظروف الحالية شبيهة بحقبة الثمانينات . فشلت السلطة حينها في الإقتصاد و إدارة الأزمة ، حينما خرجت جموع الجزائريين يُطالبون بالرفاهية و الديمقراطية التي حُرموا منها منذ الإستقلال و نهاية " الإحتلال الفرنسي" .
حينها ، انبثقت التيارات الإسلامية ، و كانت في غاية التنظيم و التنسيق ، استطاعوا من خلال هذه الميزة ، التأثير في الجماهير الشعبية في العاصمة الجزائرية ، وأمام أنظار السلطة التي سمحت و أعطت لهم الضوء الأخضر لممارسة أنشطتهم و دعوتهم الصريحة إلى الشريعة .

ربما لا يخفى على المُحللين و المُتخصصين في الحركات الإسلامية ، الدور و الصلة العميقة بين التيارت الإسلامية و السلطة الحاكمة ، جوهر هذه العلاقة هي المصلحة المشتركة .
طالما علا الخطاب الديني في الشارع ، طالما كانت السلطة الحاكمة مُسيطرة و باقية بنفس جوهرها . بينما العدو المُشترك هو " تمرد الجزائريين".

هل سيكون هنالك " بديل " إسلامي في الشارع هذه المرة أيضا  ؟ 
لو لم تصل سطوة وانتهازية التيارات الاسلامية إلى السلطة في الماضي ، لما باءت  تجارب الديمقراطية في البلدان الإسلامية بالفشل.
عاش الإسلاميون دوما في الظل بمنطقة شمال إفريقيا و الشرق الوسط ، و كان دورهم الميداني يتوزع في الجامعات و المساجد و التي كانت بؤرة استقطاب ايدلوجي يحشد إلى الجهاد ، كان الربيع العربي - حتى لو رفض البعض اعتباره كذلك - التجربة الحقيقية لهذه التيارات لإظهار ما كانت تُنادي به من شعارات ، و تُروج له في الإجتماعات في المساجد .

" الإسلام هو الحل " .
كانت الجماهير في مصر و تونس تتطلع إلى التغيير الذي يُخرجها من حالة الإحباط و اليأس .عقود من الإستبداد و الأوليغارشية في منظومة الحكم ، شعوب كانت واثقة من الدين و الشعارات البّراقة أكثر من الواقع و الميدان العملي.
و النتيجة ، لا الإخوان المسلمون في مصر استطاعوا تحقيق وعودهم ولا الإخوان المسلمون في تونس أيضا حققوا ذلك . و هم في تركيا كذلك أبعد من الحقيقة التي يعرفها المُحللون جيدا .
لازالت قوارب الموت تتجه إلى أوروبا ، و شباب يُجندون للجهاد إلى أماكن الحروب في الشرق الأوسط ، بمساعدة الإخوان و التنسيق معهم. في الجزائر ، عاد الشيخ علي بلحاج إلى الواجهة الإعلامية ، منذ بداية الحراك الشعبي في فيفيري٢٠١٩ ، الزعيم الروحي و المُرشد الإسلامي للجماعة المحظورة " الجبهة الإسلامية للإنقاذ " ، علي بلحاج كان يخطب في المساجد و الشوراع و الملاعب منذ بداية نشاط الجماعة في اواخر الثمانينات و هي في أوج شهرتها بين الشباب . كان هنالك ثلاثة جماعات إسلامية تقاسمت النشاط الإسلامي الدعوي  في الجزائر : 
جماعة الإخوان الدوليين بقيادة الشيخ محفوظ نحناح ، وجماعة الإخوان المحليين بقيادة الشيخ عبد الله جاب الله، وجماعة الطلبة أو جماعة مسجد الجامعة المركزي أو أتباع مالك بن نبي بقيادة الدكتور محمد بوجلخة ثم الشيخ محمد السعيد.

أُنشئت الجماعة الإسلامية للإنقاذ  في مارس 1989 بعد التعديل الدستوري وإدخال التعددية الحزبية اللذين فرضتهما الانتفاضة الشعبية في أكتوبر 1988. واعترفت الحكومة الجزائرية رسميًّا بالجبهة في مطلع شهر سبتمبر 1989، ويترأسها منذ تاريخ تأسيسها الشيخ عباس مدني، وينوب عنه الشيخ علي بلحاج.
تنتمي جبهة الإنقاذ تاريخيًّا إلى الحركة الإسلامية الجزائرية. وتسعى الجبهة إلى إقامة نظام حكم يرتكز على مبدأ الحاكمية لله.

خاضت الجبهة أول انتخابات محلية حرة عرفتها الجزائر في 12 يناير 1990 وفازت فيها بـ 853 بلدية من بين 1539 بلدية و32 ولاية من بين 48 ولاية ،  كما خاضت الجبهة الانتخابات التّشريعية في 26 ديسمبر 1991. ونتيجة لقانون الانتخابات فازت الجبهة فوزًا ساحقًا في هذه الانتخابات التي ألغيت في 11 يناير 1992.
اتخذت الحكومة قراراً بحل الجبهة في مارس 1992، غير أنّها لا تعترف بهذا القرار وتعتبره تعسفيًّا. 
وهذه الجبهة هي حركة إسلامية سلفية في جوهرها، تنادي بالعودة إلى الإسلام، باعتباره السبيل الوحيد للإصلاح والقادر على إنقاذ الجزائر؛ مما تعانيه من أزمات اجتماعية، واقتصادية، واستعمار فكري وثقافي .

ليس لدى الجبهة أي برنامج للتغيير الراديكالي، حيث إن البرنامج بصفة عامة ليس شرطاً ضرورياً لبروز الحركة الإسلامية - إلا أنها كانت تتبنى المشروع الإسلامي، وتطبيق الشريعة الإسلامية، وخوض الجهاد أو "الحرب المقدسة" ضد الطبقة الحاكمة التي تتفاخر برفاهيتها، و"المثقفين المتفرنسين"، وهي أكثر الأدوات فعالية والتي حرض الإسلاميون بها العاطلين عن العمل، والمهمشين، الذين باتوا يرون في الجبهة الإسلامية، المنقذ الوحيد.

بعد إعلان إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية (انقلاب يناير بوصف عبد القادر حاشاني قيادي الإنقاذ)، تراجعت لغة التهدئة ومد الجسور، وبالتالي شحب نفوذ القائلين والمطالبين بذلك في الفريقين (السلطة والإنقاذ) وانفتح الباب على مصراعيه أمام دوامة العنف ، بل ومن سائر الحركات الإسلامية خارج الإنقاذ، وظهرت على سطح الأحداث الملتهبة جماعات مسلحة ذات مرجعية دينية مثل: 
- جيش الرسول محمد. 
- الأوفياء للقسم. 
- جهاد 54.
- القوات الإسلامية العالمية لمناضلي الله. 
- المجلس الموحد للحركة الإسلامية .
- حركة الجهاد الإسلامي في إفريقيا .
- منظمة الضباط المسلمين .
وكان الأبرز في هذه التنظيمات المسلحة: 
- الجماعة الإسلامية المسلحة . 
- الإنقاذ الإسلامي. 
ومع حظر نشاط جبهة الإنقاذ طال الاعتقال الكثير من قادتها وكوادرها وأعضائها .

بعد عشرة سنوات من الدماء و مجازر ضد المدنيين و العسكريين ، استفاد مُرتكبوها من عفو رئاسي ، عبد العزيز بوتفليقة كان المُترجم الميداني لقانون المسامحة والعفو عن الإرهابيين - عاد أمير الجماعة الإسلامية المسلحة مداني مزراق ، داعيا السلطة السماح له للعودة إلى العمل السياسي .

عقب التصريحات التي أدلي بها مزراق بشأن تأسيس حزب سياسي، أثارت جدلا واسعا في الجزائر حيث اتهمه العديد من السياسيين بأنه يدعم الإرهاب، وقال مزراق، إنه سيودع طلبا لتأسيس حزب سياسي جديد بهدف المشاركة في الانتخابات التشريعية لعام 2017، موضحًا أن "الجيش الإسلامي للإنقاذ " قرر التحول إلى حركة سياسية مفتوحة لجميع الجزائريين.

اليوم ، بحكم التجربة ،  يرفض أنصار الإسلاميين أي اشتباك مع النظام ، ولا يترتب على تراجع شعبية هذه الأحزاب أي عواقب على علاقة أعضائها بالمنظمات الجهادية. إن تجربة العنف الإسلامي المسلح لجبهة الإنقاذ الإسلامية ضد الجزائريين خلال التسعينات وضد الشعوب العربية الآن ، كما هو الحال في مصر وسوريا ، تزيد من هذه القناعة لديهم .

على الرغم من أنهم لم يشاركوا في الاحتجاجات الأخيرة كأحزاب ، فقد شارك أفراد وتيارات داخل الحركات الإسلامية في حركة 22 فبراير. اليوم ، هم يُحاولون تعديل خطابهم و" الإنفتاح" على الأحزاب العلمانية التي كانت مُنافسة لهم. في الظاهر ، لقد تخلوا عن شعارهم القديم "الدولة الإسلامية" واستبدلوه "بالديمقراطية والحكم المدني". 
ولكن في مجمل الأحوال ، سوف تبقى ضغينة الإسلاميين ضد المؤسسة العسكرية التي سلبتهم الأغلبية في البرلمان بالتسعينات وقتها، قائمة في نفوسهم . شعار " مدنية لا عسكرية " ليس سوى طعنة خنجر في ظهر المحتجين و مكايدة واضحة في وجه السلطة " العسكر" .

كما في الثمانينات ، هل ستكون الظروف الحالية ، مُواتية لهم هذه المرة أيضا للعودة إلى العمل السياسي و نوال ثقة الجماهير الغاضبة من أداء السلطة ، رغم سمعتهم السيئة و سِجلهم الإجرامي في الماضي . ؟ 
لا يبدو أن السلطة الحالية جِدية في التغيير ، حيث لازالت  تُكرس الممارسات القديمة : اعتقالات تعسفية لنشطاء و اقصاء للحريات الدينية و الصحفية ، الخطاب الديني هو أفضل وسيلة للاستمرار بالنسبة لها .
Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: