تقدم مؤخرا وزير العدل في الحكومة الجزائرية بمشروع قانون مُعدل جديد، بهدف "تفعيل" أدوات الدولة في مكافحة خطابات الكراهية ، والتمييز العنصري ،المُتفشية من خلال الأنترنيت . يبدو الأمر إلى حد الآن طبيعيا ، و خطوة إيجابية. 
منذ أكثر من عام ، بعد الحركة الشعبية التي اندلعت في الجزائر 22 فيفري 2019 ، التي كانت إحتجاجاً على ترشح بوتفليقة ، لعهدة خامسة ، استمرت رغم تنحي هذا الأخير عن كرسي الرئاسة،ولم يمنعها سوى وباء كورونا المُفتشي ، كانت الساحة الجزائرية مُقسمة ما بين مؤيدين و ما بين مُعارضين ، لأداء القائمين على مرحلة ما بعد بوتفليقة.

هل ستكون خطوة وزارة العدل الجزائرية ، جدية في بناء "جزائر جديدة"؟ 



يتفق الجزائريون على أن القضاء في بلادهم اليوم ليس أفضل حالاً مما كان في عهد بوتفليقة . العدالة ، كما الأمس، هي اليوم إحدى آلات القمع واليد الضاربة التي ترفعها السلطة في مواجهة خصومها والمجتمع. 

كانت الفترة الأخيرة ، حافلة بالإعتقالات شنتها السلطات الحاكمة ضد نشطاء لأنهم عبروا عن آرائهم ، و مُحتجين لأنهم رفعوا الراية الأمازيغية في العاصمة ، والتي ترمز إلى الهوية القومية التاريخية لبلدان شمال أفريقيا قبل الغزو الإسلامي. في الجزائر، أربع مقاطعات تضم أغلبية '' قبائلية'' تتحدث اللغة الأمازيغية.
تُمثل هذه المقاطعات العينة النموجية من السكان الأصليين ، الذين حافظوا على لغتهم ، و تراثهم و تاريخهم من خلال أدب روائي، و شعري ثري.

لماذا يُعد الحديث عن ''الأمازيغ'' أمرا مُهما في قضية مكافحة خطابات الكراهية في الجزائر؟.

يقول وزير العدل الجزائري ، أن خطاب الكراهية "دخيل" على المجتمع الجزائري، فهو يعيق حقوق الإنسان ويهدم قيم المجتمع.
كانت المنطقة ذات الأغلبية القبائلية ، وهم فرع أصيل من الشعب الأمازيغي في شمال افريقيا، موضوع الكراهية والتحريض منذ الإستقلال ، و بعد الإنقلاب الذي قام به بومدين ضد بن بلة 1965 ، الذي قضى على الحياة السياسية وعلى اليهود نتيجة كراهيته الشديدة لإسرائيل، و هوسه بـ "القضية العربية".
ترسخت النظرة الشيطانية اتجاه القبائل ، حيث يُنظر إليهم كعملاء ، و "مُتآمرين يتلقون الدعم و الأجندات من وراء البحار"، مُنعت اللغة الأمازيغية ، و سيق النشطاء الى سجون بومدين ، و تعرضوا للتعذيب، ولازالت نفس النظرة تتكرر في عدة مناسبات. اليوم، رغم المكاسب التي تحققت في إدراج الأمازيغية جزءا من هوية الجزائر؛ ولغة إلى جانب العربية ، ظلّ الجزائريون '' قليلو الوعي'' هم ضحية المدرسة الجزائرية ، التي قام بتسطير أيديلوجيتها، المتعصبون للغة العربية والإسلام.

ازدادت وتيرة خطابات الكراهية المُوجهة ضد منطقة القبائل بشدة ، من خلال وسائل التواصل الإجتماعي، وصلت حد الدعوة إلى القتل و الإبادة.  شن هذه الحملة البغيضة رموز من " الطبقة السياسية و الإعلامية ''، كلهم مُشبعون بروح التعصب الديني القبلي، الذي على مايبدو لازال ينتعش في عقول من فقدوا بوصلتهم في الحياة الثقافية و السياسية.
لم تفعل السطات شيئا لكبح رسائل الكراهية هذه ، و لم تتخذ اي خطوات رادعة ، على النقيض تماما: لازال العنصريون يصدحون من خلال الفيسبوك طُلقاء أحرار ، فيما ضاعفت السلطات جهودها في قمع الأصوات و حرية التعبير ، من خلال ملاحقة المنشورات الساخرة والإنتقادية ، بحجة "المساس بالأمن ، و ازدراء الإسلام و الذات الإلهية ."

" مساواة '' من دون "اقصاء" : 

يزعم وزير العدل الجزائري ، أن جميع الجزائريين متساوون أمام القانون دون " إقصاء".ازدادت حملة إغلاق الكنائس في الشهور الماضية ، وصلت إلى درجة إغلاق الكنسية البروتستانية المركزية في تيزي وزو ، بحجة عدم وجود "ترخيص"، علما أن الكنيسة كانت تُمارس نشاطها السلمي منذ التسعينات ، قانونيًا في الجزائر بناءً على ترخيص تحصّلت عليه عام 1974، وتم تحيينه وتعديله عدّة مرّات، تماشيًا مع النصوص القانونية والإجراءات. حرية ممارسة الشعائر الدينية للمسيحيين مرتبطة بوزارة الأوقاف الإسلامية.

لعب الإعلام الجزائري ذو التوجه الأيديلوجي دورا بارزا في تأجيج خطابات الكراهية و التشويه ، سواء ضد المسيحيين أو ضد الأحمديين. الجزائر التي يُنادي بها هذا الإعلام و يقوم بتسويق الصورة النمطية من خلال دعايته ، ضد التنوع الثقافي و الديني ، هي غير موجودة على أرض الواقع ، مع تطور التكنولوجيا وسرعة الإتصالات ، كل هذا ساهم في تصحيح الكثير عن المفاهيم عن الآخر، و نضج الوعي لدى الشباب من خلال اكتشاف العالم. أصبحت هذه "المقاربة'' محض خيال درامي لا واقعي.

جاء مشروع القانون التكميلي ، لمكافحة خطابات الكراهية ، الذي اقترحه وزير العدل الجزائري زغماتي ، في الفترة التي تشهد فيها وضعية الحريات في الجزائر تدهورا خطيرا ، نجم عنه دعوات المجتمع الدولي الحقوقي الحكومة الجزائرية ، إلى الإفراج عن معتقلي الرأي ، والكف عن استغلال الأزمة الصحية لتصفية حساباتها مع الصحافة الحرة .

أدانت فيما سبق الحكومة الجزائرية ، تقريرا لأحد صحفيي فرانس 24 ، تحدث فيه عن فريق من الأطباء الصينيين ، الذين جاؤوا إلى تقديم العون للحكومة الجزائرية ، وعن الحالة الإقتصادية بالجزائر ، و مراحل الخطر التي بلغتها في ظل تفشي وباء كورونا، اتهمت السلطات الجزائرية الوكالة بـ " الترويج لأخبار كاذبة ''، رغم أن أغلبية الجزائريين يعرفون تماما أن التقرير لا يكذب .

تتصدر الجزائر أسوء المراتب في مجال حرية الصحافة ، تئن الصحافة الجزائرية تحت وطأة الضغوط والملاحقات القضائية. أشار تقرير مراسلون بلا حدود إلی ”الذباب الإلكتروني“ كمؤسسة، و الذي تستخدمه السلطات الجزائرية لمضايقة وتشويه سمعة الصحفيين المنتقدين لها، وهذا من بين عشرين مؤسسة تنتشر عبر العالم.
لا يبدوأن قانون "مكافحة خطابات الكراهية '' المُزمع المصادقة عليه في البرلمان ، سوف يكون وسيلة جدية في كبح تفشي وباء العنصرية ، والتحريض ضد الآخر، ولكنه أداة أخرى لاصطياد الأصوات والأقلام "التي تعيق" عمل القيادة الجديدة ، بالنقد والقلم الساخر وايداعهم السجون إلى جانب الآخرين، بتهمة المساس بالثوابت الوطنية والدينية للبلاد.
فماهو شكل الخطاب الذي تنوي السلطة محاربته بذريعة ''التحريض على الكراهية "، و المُحرضون هم على رأس القائمة مُستمرون على النهج التقليدي منذ عقود!
Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: