هل اشترى محمد الثاني كنيسة "آجيا صوفيا"؟ – د. جرجس بشرى .


فوجئنا بعد قرار الرئيس التركي بتحويل كنيسة "آجيا صوفيا" إلى "مسجد" بمن يقول إن السلطان العثماني محمد الثاني ، قد اشترى الكنيسة وحوِّلها إلى مسجد، وهذا يطرح التساؤلات التالية:

1- إذا كان محمد الثاني قد اشترى كنيسة آجيا صوفيا، فلماذا صمت المؤرخون عن ذلك كل هذه المئات من السنين ولم يذكر أحد منهم، هذا بالرغم من إنهم أرَّخوا لهذا الحدث الهام بالتفصيل، ويصف أحد المؤرخين، وهو إدوارد جيبون – الذي رجع لكثير من المصادر غير المتاحة لدينا في الوقت الحاضر – طريقة تحويل الكنيسة إلى مسجد بواسطة محمد الثاني عام 1453م فيقول:


(إدوارد جيبون، اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها، الجزء الثالث، ترجمة: محمد سليم سالم (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997، ص247-248)


2- إن عملية البيع والشراء تتم من خلال أجواء الحوار والمعاهدات ، وربما تسليم المدينة لمن له الغلبة العسكرية، ولكن المعركة التي سقطت فيها القسطنطينية بيد الأتراك، مات فيها الآلاف من الطرفين غير صراخات المصابين والهاربين والمأسورين والمنتقمين، لقد كانت معركة شرسة، ولم يكن هناك الأجواء الهادئة لعقد صفقات البيع والشراء.

3- إذا كان محمد الثاني قد قام بشراء الكنيسة، فمَن الشخص البائع، ممن قد اشتراها، فمن المعروف إن الكنائس لا تُباع ولا تُشترى، ولكن إذا افترضنا إن كنيسة أجيا صوفيا قد تم بيعها للسلطان محمد الثاني، فسيكون البائع إمَّا الإمبراطور البيزنطي، أو البطريرك البيزنطي. ويتفق المؤرخون أن الإمبراطور البيزنطي المعاصر لاستيلاء الأتراك على القسطنطينية، وهو قسطنطين الحادي عشر ، قد مات في معركة القسطنطينية، ومن يمثل بطريرك القسطنطينية "جناديوس سكهولاريوس" ، قد أُخِذ أسيرًا وسيق إلى أدرنة، ثم نُقل بأمر محمد الثاني إلى القسطنطينية، ثم تم تعيينه بطريركًا عام 1454. (أيتاج أوزكان، السلطان محمد الفاتح، بروج، 2017، ص 247)، أمَّا باقي شعب القسطنطينية فكان ما بين: هارب وأسير وقتيل. 
فمن الذي باع الكنيسة للسُلطان، إذا كان يُوجد من الحق أن يبيع هذه الكنيسة ؟

4- إذا كانت هناك وثيقة أصيلة وحقيقية وليست مزورة ، تفيد ببيع كنيسة آجيا صوفيا إلى السلطان محمد الفاتح، فما هي الدورية العلمية أو الكتاب التي نُشرت فيها هذه الوثيقة ؟ وإن كانت محفوظة ولم تُنشر، فكيف لوثيقة بمثل هذه الأهمية لم ينشرها الأتراك؟ ولماذا لم نسمع عنها غير الآن، أين كانت مُخفاة طيلة هذه القرون لم يسمع عنها أحد، ولم يكتب عنها أحد من قبل؟ وما سر ظهورها في نفس التوقيت الذي أعلن فيه الرئيس التركي رجب أردوغان بتحويل الكنيسة إلى مسجد؟

5- من يقرأ التاريخ يعرف جيدًا إن أي معتدي لابد أن يجد حُججًا تبدو منطقية لتبرر إعتدائه، بدءا من هجوم الإغريق على طرودة بحجة استعادة هيليني – في رائعة هوميروس، الإلياذة – إلى حرب أمريكا وحلفائها في العراق بحجة وجود أسلحة دمار شامل، ويستكمل الرئيس التركي هذا المسلسل فيلعب على الوتر الديني لتحقيق مكاسب سياسية، فالصمت أمام مثل هذه الحُجج الواهية قد تشجع من أصدرها لإصدار المزيد، وقد نُفاجئ قريبًا بقناة الجزيرة القطرية وهي تعلن عن وثيقة تقول إن الأهرامات قد بناها الأتراك.


Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: