النار هي المكون الثاني في ثنائية العقاب الإسلامية ، فالجنة ثواب المؤمنين ، و النار مصير الكافرين حسب منظومة الاخروية الاسلامية .
وكما تكشف التصورات الإسلامية عن الجنة طبيعة و بيئة الاسلام الأول، وتساعد على فهم اكبر لشخصية المسلم ، فإن النار الإسلامية تكشف بدورها ظروف نشأة الإسلام . وتُسلط الضوء على شخصية المسلم ، لأنها تكشف عن مفهوم المسلم للعقاب. فالعقاب هو بناء قيمي اخلاقي ، وبالتالي صياغة هذا الشكل او ذاك ، من العقاب يعود الى المعيار الاخلاقي للمشرع ، ومن هنا فإن مفهوم الجنة و النار أو الثواب و العقاب في الاسلام يؤثر على شخصية المسلم لأنه يحدد له مستوى اخلاقيا ، ويجعله يتحرك ضمن معايير قيمية محددة.
فكيف هي نار المسلمين ؟ 


أصل كلمة جهنم ، كلمة عبرية كانت تُطلق على وادي خارج مدينة اورشليم . حيث كان الوادي يسمى بوادي هنوم (جي هنوم) بالعبرية: גיא בן הנום وباليونانية Γέεννα / Géenna (االيديشية: Gehinnam .

على النقيض من رحابة الجنة ، مكان النار ذو ضيق ، ووصف بأنه "سجّين " - سورة المطففين 8/7
فالضيق وسيلة عذاب مُرعبة لمن يعيش في الصحراء المفتوحة الحدود ، و للنار "سبعة أبواب" . يتوجب على كل مجموعة آثمة أن تدخل من باب  خاص - سورة الحجر- 15/44 
 "لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ " - الحجر(44) 
ويسمى القيمون عليها "خزنة" ، وهم يتصفون بالغلظة والشدة ، يقول عنهم القرآن " مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ" - التحريم 6-  وعددهم تسعة عشر - سورة المدثر 30 -.

العذاب : 
وفق الإسلام ، استغرق التحضير للنار" أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ "- ابن ماجة ، كتاب الزهد .
 و التقدير الحراري أن نار الأرض هي "جزء من سبعين جزءا من نار جنهم" و وقود النار هي الناس و الحجارة.

رّوي "أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: نَارُكُمْ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نَارِ جَهَنَّمَ ، قيلَ يا رَسولَ اللَّهِ إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قالَ: فُضِّلَتْ عليهنَّ بتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا."
الراوي : أبو هريرة | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 3265 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]

- تحيط النار بالآثمين من كل جهة : " لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ" الأعراف (41)
- يُسحبون في النار على وجوههم ، و يقال لهم ذوقوا نار جهنم : "يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ" القمر (48)
-هذه النار تنفذ عبر الأجسام الى القلوب : كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ - الهمزة.
- مُحرقة ، وألمها أشد من ألم غيرها ، وتُوضع الأغلال في أعناقهم ، حيث يُسحبون منها: " إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ " - غافر- (71)
- طول السلسلة سبعون ذراعا : " ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ "(32)
- وثيابهم من قطران : "سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ" (50)
و قد قيل في عذاب النار: "إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل في القمقم" -صحيح البخاري - كتاب الرقاق.

- يكون المعذبون في البدء في الماء المغلي "الحميم" ، ثم يوقد في النار : " إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً" - صحيح مسلم -كتاب الإيمان.

و يأخذ الوصف القرآني منحى أكثر رعبًا ، ففيها يُشوى لحم الوجه و يُنزع جلده : "كَلَّا ۖ إِنَّهَا لَظَىٰ (15) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ" (16)

 وتلفح النار وجوه المعذبين" وهم فيها كالحون"، أي "شمرت شفاههم العليا و السفلى على أسنانهم" حسب تفسير الجلالين ، و تزداد القسوة عندما تتضح جلود المعذبين من النار ، و يبدل جلودهم غيرها ليذوقوا العذاب مجددا :" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا"(56) 

تتحدث المأثورات الإسلامية عن لون من العذاب  هو الزمهرير (البرد الشديد) ، فيقول ابن عباس : " يستغيث اهل النار من الحرّ ، فيُغاثون بريحٍ باردة يصدع العظام بردها ، "فيسألون الحرّ" ؛ و يُنسب لكعب القول :
 " إنّ في جهنم بردًا هو الزمهرير ، و يسقط اللحم عن العظم حتى يستغيثوا بحرّ جهنم".

ونتلمس في صورة النار نزعات سادية ، بالوصف الذي يقول بأن من يتعذب في النار يود أن يتخلص من عذابها ، و لو أمكنه لافتدى نفسه ببنيه و زوجته و أخيه و عشيرته التي ينتمي اليها: "يُبَصَّرُونَهُمْ ۚ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ "(11)
و الندم الذي لا ينفع حتى أنه ليتمنى لو كان "ترابًا" ولهذا سُميّ ذلك يوم الحسرة.
وفي النار سيُعلن الكافرون الندامة و يطلبون من الله الخروج ، أو إرجاعهم لإعادة الاختيار ، و لكن الجواب يكون : " اخسؤوا فيها ولا تكلمون".
و يقوم التابعون "الضعفاء " بلوم المتبوعين "الذين استكبروا" و يضيفون القول بأنهم كانوا يتبعون زعمائهم ، و يطالبون الله بمضاعفة العذاب لمن كان سببًا في مصيرهم الحالي ، وكذلك يطالبون ان يُضاعف العذاب لمن دفعهم لرفض الإيمان بدعوة الإسلام ، و لكن الاخيرين يرفضون دعواهم و يذكرونهم بأنهم رفضوا الايمان بمحض ارادتهم ، و يقولون : " لو أن لنا كرّة فنتبرأ كما تبرؤوا منا" ، فيتبادلون الاتهامات و اللعنات ، و يلوم الشيطان الذين اتبعوه ؛ و يقول لهم بأنهم يتحملون عاقبة عدم ايمانهم ، لأنه لم يقم الّا بدعوتهم.
وعندما يزج بمجموعة جديدة في النار ، فإن كلا من الداخلين و الموجودين قبلاً ، يقولن : " لبعضعم" لا مرحبا" كما أن الأمم تتبادل اللعنات :
" ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن و الإنس في النار " ، كلما دخلت امة لعنت أختها ، حتى اذا داركوا فيها جميعا ، قالت أخراهم لأولادهم : " ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابًا ضعفاً من النار" ، قال :" و لكل ضعف ولكن لا تعلمون".

"قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ " الأعراف(38)

في هذا الموقف يُصاب المعذبون بالحيرة ويقولون : " يا ليتنا اطعنا الله و اطعنا الرسولا" و يطلبون من "خزنة جهنم" أن يدعوا ربهم أن يخفف عنهم "يومًا من العذاب".
وعندما يسعى المعذبون للخروج من النار ، يُعادون اليها ، ويقال لهم : " ذوقوا عذاب النّار الذي كنتم به تًكذبون" و يعلن بأنه لا يقبل منهم دفع فدية . و عندما يطلبون الغوث من العذاب " يُغاثون بماء كالمُهل يشوي الوجوه" .

الطعام والشراب :
يسمى طعام أهل النار "ضريع" ، و هو الشوك المر الذي يتعذر على الدواب رعيها ،  الذي " لا يُسمن ولا يغني من جوع"- الغاشية 6-7-  وهو طعام يغص في الحلق ، اضافة الى أن في أكله عذابًا شديداً ، لأنه "شوك يأخذ الحلق ، لا يدخل ولا يخرج" :

وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا" -الأعراف-  (14) ، كما أن للمعذبين طعام آخر " من غسلين" - الحاقة 36-  وهو صديد اهل النار أو شجر فيها".
فاكهة أهل النار شجرة الزقوم ، وهي "كالمهل يغلي في البطون" اي : كالزيت أو المعدن المذاب ، بينما يسقون من ماء صديد .
 " قول تعالى ذكره : إن شجرة الزقوم التي جعل ثمرتها طعام الكافر في جهنم ، كالرصاص أو الفضة ، أو ما يُذاب فى النار إذا أُذيب بها، فتناهت حرارته ، وشدّت حميته في شدّة السواد."؛ وهو القيح والدم الذي يسيل من المعذبين ، كذلك "حميم" - سورة الأنعام 70- أي الماء المغلي ، "وغساق" : وهو ما يسيل من صديد المعذب في النار. والماء الغالي الذي يسقون منه يقطع "امعائهم".

''مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ''(15) 



دركات أهل النار :
مثلما للجنة مراتب تسلسلية ، يأتي محمد على قمتها ، فلنار مستويات متعددة عُرفت باسم دركات النار.
و التسمية جاءت من "الدّرك" ، اسفل كل شيء ذي عُمق ... و الدرك اسم في مقابلة الدّرج بمعنى : أن الدرج مراتب اعتبارا بالصعود، والدرك مراتب اعتبارا باالهبوط ، و لهذا عبّروا عن منازل الجنة بالدرجات وعن منازل جهنم بالدركات".

لا يوجد في النص القرآني تقسيم لأصناف المعذبين ، و الدركات التي يوضعون فيها ، والنص الوحيد يتعلق بالمنافقين ، حيث يضعهم "أسفل مكان في النار" ، و يبدو أن الامر له علاقة بخطورة الصراع داخل يثرب لحظة نطق هذه الآية بين محمد و أعدائه من اهل المدينة :  إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)

ولكن الاقوال المتصلة بالنار تقوم بعملية التوزيع ، فمثلا ثمة رواية أن التوزيع من الاسفل نزولا على الشكل التالي :
1 اهل التوحيد ، 2 اليهود ، 3 المسيحيون ، 4 الصابئون ، 5 المجوس ، 6 مشركو العرب ، 7 المنافقون .

تركزت المفاضلة الإسلامية لمفهوم الثواب والعقاب عبر المقارنة الأخروية في السماء ، حيث يذكر اصحاب الجنة اصحاب النار الوعد الحق ، بينما يُعبر أهل النار بدورهم عن الندم و يطلبون من أهل الجنة الماء و الطعام وحيث يرفض طلبهم .
صار المسلمون يعملون في الارض على تأسيس جنتهم على طريقتهم ، و اشعال النار لأعدائهم حتى يعيشوها على الارض في الدنيا، ولم يكن هذا الا لان الحركة الاسلامية ازدادات ميلا للحرب مع تنامي قوتها .بداية من سنوات محمد حينما بدأت تتشكل بوادر الغزو في صيغة الجهاد وقد ترافق ذلك نصوص تحريضية وحديثية فكانت الجنة و النار من أركان و أساسيات الأدب الجهادي .

 ذ: مالك مسلماني .
Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: