إذا كان بناء الإسلام  يرتكز على القواعد الخمسة ، والإيمان بهذه الأركان وتطبيقها ، هو شرط أساسي حتى يكون المسلمُ مسلماً ، والمجتمعُ إسلاميًا . فإن الخلافة الإسلامية (الرّاشدة) هي النظام الديني والسياسي معًا ، الذي من خلاله ، يفرض الإسلام قوانينه وأحكام الشريعة على سائر الشعوب الخاضعة للغزاة المسلمين .الجهاد هو الآلية التطبيقية لبناء و تجسيد هذا النظام.

لقد أسرت فكرة الخلافة الإسلامية عقول و قلوب المسلمين على مدار قرنٍ من الزمان منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية - (الرجل المريض) عام 1924م ، طوى الأتراك الإصلاحيون صفحة سوداء من تاريخهم ، وتأكدوا أنه لا فائدة ولا مستقبل يُرجى من دين لا يُشبع سوى القوم الجائعين الهمج، ولكن الحداثة و الإنصهار مع الثورة الصناعية هو ما سيخلق ديمقراطية تنافسية حقيقية.

محمد يقول في القرآن : 
 وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًٔا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ.55



  هذه الآية هي  بمثابة "بشارة" إسلامية للذين يتوقون للحكم ولذة التسلط ، أن الخلافة آتية بعد الحكم الجبري (الرأسمالية والنظام الدولي الجديد) الذي يخضع له المسلمون على راس حكوماتهم بدل "شرع الله"، واليهود كالعادة هم العدو الذين يحاربون الخلافة و يثنون المسلمين عن "استعادتها " بقوله صلعم: 
«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا الْيَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ وَرَاءَهُ الْيَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ». رواه البخاري.

لم تتوقف الدعوة إلى أقامة دولة الخلافة ، ولم تنتهي الفكرة أبدًا ولن تنتهي طالما تأخذ حيزًا واسعًا من أيديلوجية ما يسمى بــ الإسلام السياسي . استمر الإسلاميون و مشايخ الإسلام و الحركات الإسلامية في الداخل والخارج ، يُنظرون لها و يتغزلون بـ "عصرها الذهبي"، و يحشون عقول مستمعيهم بـ "أمجاد" خلفائها و"أبطالها".

منذ ظهور تنظيم الدولة الإسلامية أول مرة عام 2003 بإسم جماعة التوحيد ، تحت قيادة أبو مصعب الزرقاوي ، إلى غاية عودتها، وتطورها وسيطرتها على صفحات على وسائل التواصل الإجتماعي ، تحت قيادة أبو بكر البغدادي ، كانت تخاطب جموع المسلمين عن الجهاد و فريضة تطبيق الشريعة والثورة ضد "الطاغوت" ، اشتهرت بقطع الرؤوس و الاطراف و تنفيذ أحكام إعدام على المثليين و المرتدين و العملاء ..الخ . لم يكن الأمر يعجب جماهير المسلمين كون تلك الممارسات تفضح المستور عن الإسلام ، وتطرح قضايا عقائدية وأيديلوجية خطيرة كامنة في جوهر الإسلام و سيرة محمد ، مجددًا إلى طاولة النقاش الحّاد . رغم ذلك ، الكثير من المُبايعين للدولة الإسلامية ، هاجروا إليها من كل بلدان العالم.
بعد دحر التنظيم عسكريًا بالميدان ، تتجه آمال أنصار الخلافة مُجددًا إلى اسطنبول ، لطالما كان الحزب الإسلامي الشعبوي ، الذي احتضن و تبنى أهم التيارت الإسلامية التي تنادي بفكرة الخلافة ، لا يُخفي هذه الرغبة وكان دومًا يبعث برسائل دينية مهمة تفهمها النخب الإسلامية المُعادية للعلمانية، رغم هذا ؛ اغلبية الأتراك ليسوا متحمسين لفكرة الخلافة ؛ حسب إستطلاع. هل سيُخاطر بمصارحتهم بهذه الفكرة العبثية .؟ 

يقول روبرت سبنسر ، الخبير في مركز جهاد ووتش : "أردوغان يضع نفسه الآن على أنه محمد ، الفاتح الجديد ، باستخدام آيا صوفيا كما فعل سلفه اللامع ليعلن انتصار الإسلام على كل من المسيحية وعلمانية أتاتورك. ومع تأمين الجزء المركزي من الخلافة مرة أخرى، من المؤكد أن تتبع الخلافة نفسها ".


ضجة كبيرة ـ أثارتها مجلة تركية مؤيدة للإسلام ، بعد إعادة قضية الخلافة إلى الحياة مع قصة غلاف عددها الأخير. اتهمتها نقابة المحامين في أنقرة بالدعوة إلى التمرد على قوانين الجمهورية.

قدمت الهيئة القانونية التركية شكوى جنائية ضد مجلة Gercek Hayat ، مطالبة المدعين بالتحقيق فيها. وقالت أن رئيس تحرير المجلة، كمال أوزر ، وكاتب العمود عبد الرحمن ديليباك  الصحفي التركي المحافظ المخضرم ، حرضا على الكراهية ودعا إلى تمرد مسلح ضد الدولة التركية.
في قلب الاتهام يوجد أحدث عدد من المجلة ، نُشر يوم الاثنين ، والذي يحتوي على غلاف يقول: "اجتمعوا معا للخلافة ، اذا ليس الان متى؟ إن لم يكن أنت ، فمن؟ ".

يعتبر الجدل من أجل إحياء الخلافة موضوعًا سياسيًا ساخنًا في تركيا ، لذلك قوبل منشور Gercek Hayat بالتشكيك حتى من الجانب المحافظ ، وقال عمر سيليك المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم إن المجلة تسعى إلى "استقطاب غير صحي" من خلال التشكيك في المبادئ التأسيسية لتركيا.
جاء بعض الغضب حتى قبل نشر العدد ، واستند إلى معاينة غلاف المجلة على تويتر من قبل  ديليباك . قال الصحفي التركي البارز إسماعيل صيماز ، الأحد ، إن تركيا ليست دولة "يحكمها حفنة من المتطرفين" ، وأن الأشخاص الذين يقفون وراء قضية مجلة  Gercek Hayat ،"ليسوا على دراية بنوع الحريق الذي كانوا يلعبون به".

فيما قال أوزر ، رئيس تحرير المجلة ، إن منتقدي القصة يسيئون تفسيرها، تطالب مذكرتنا بأن تتحد دول الإسلام ، مثلما تجمعت أوروبا وأقامت اتحادًا ، مثلما قامت دول أخرى بتشكيل اتحادات مماثلة. دعوتنا لا علاقة لها بأي دولة ".

ومع ذلك ، لا يبدو أن إصدار القضية يرضي النقاد.

تأتي قصة غلاف الخلافة والضجة التي تلت ذلك على خلفية قرار تركيا تحويل كاتدرائية آيا صوفيا ، أحد كنوزها الوطنية ، إلى مسجد مفتوح أمام المصلين . تم بناؤه في الأصل ككنيسة مسيحية ، تم تحويله إلى بيت عبادة إسلامي بعد سقوط القسطنطينية على يد العثمانيين. حوّل أتاتورك المبنى إلى متحف في عام 1935.

Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: