لم تكن خلافات الإسلام في البيت الواحد لتظهر إلى العلن ، لولا أزمة الشقاق التي حدثت بعد وفاة محمد والمنافسة بين المهاجرين و الأنصارعلى منصب الخليفة الجديد. لولا قوة الردع التي أشهرها ابو بكر الصديق فيما بعد ، من خلال إعلان الجهاد على المرتدين ، لكان مشروع الدولة الإسلامية قد تلاشى و انتهى. في خضم كل هذه التفاصيل ، يعتقد الناس أن الشقاق بين الشيعة و السنة بالغ العمق ولابد أن أحدهما أفضل من الآخر . لاشيء من هذا صحيح ، الجهاد ضد العالم الغير مسلم والسعي إلى السطو والسيطرة والإخضاع مع اختلاف الوسيلة هو الطموح والغاية المشتركة ، و موضوع المنافسة بينهما.
 لن تتردد الجماهير الإسلامية من إتباع مشروع الشيعة أو السّنة  بغض النظر عن المذهب، اذا ما حقق أحدهما الطموح الإسلامي الذي يمس أكثر القضايا حساسية عند المسلمين.



اليوم ، لا يزال الحديث عن خرافة "الخلافة الإسلامية الراشدة"، يستقطب معظم المسلمين و يأسر عقولهم ، كان سقوط الدولة العثمانية بالنسبة لهم "نكسة"، أفرزت لهم بأنظمة "عميلة" مُقلدة للغرب ، بديلة عن الشريعة وحكم القرآن. أدت هذه العوامل التاريخية إلى عودة  مفهوم "الأمة الإسلامية" ، وظهور نوع من الحركة الإسلامية ، تنادي بإحياء الإسلام وتطبيقه في جميع مجالات الحياة طبقًا لما كان محمد يوصي به ، هذا ما يسمى بــالإسلام السياسي .

السنة و الشيعة ، استقطاب و منافسة : 

بالعالم الإسلامي ، انطلقت النهضة الإسلامية بشكل فعّال في أوائل السبعينيات بفضل تضافر عاملين إثنين : هزيمة الأنظمة "العلمانية" القومية العربية في حرب الأيام الستة (1967) وزيادة عائدات النفط على خلفية الحرب الإسرائيلية - العربية في عام 1973. في هذه الفترة بدأت المملكة العربية السعودية التي تمثل القوة السّنية في العالم الإسلامي في اكتساب ميزة أيديولوجية حاسمة على التأثير الهائل على "التنشئة الاجتماعية" وعلى الرأي العام العربي. إنفاق مبالغ كبيرة على "عودة الإسلام" في كافة مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، كانت مهمتها الأساسية لتعزيز شرعيتهم في الحكم..

في الجانب الآخر ، ساهمت الثورة الإيرانية عام 1979 في تغيير جذري في المناخ الأيديولوجي الذي بدأته الأصولية الإسلامية "المحافظة" قبل عقد من الزمان. أصبح تحرير فلسطين ، ومحاربة الأنظمة التي صُنفت كــ"عملاء الولايات المتحدة" وتصدير الثورة الإسلامية التي هندسها الخميني ، الذي استلهم مشروع "الحكومة الإسلامية" من استراتيجية محمد نبي الإسلام في بداية نشوء الدولة الإسلامية الأولى بالمدينة وطريق النصر للقضاء على "المنافقين" و"العملاء" ، كانت هذه هي الموضوعات الرئيسية للسياسة الإيرانية. ومن الآن فصاعدًا ، هناك نوعان رئيسيان من الأيديولوجية الإسلامية / كلاهما قائمتان على الخلاف التاريخي الإسلامي ، تتنافسان في العالم.

المملكة العربية السعودية ، التي تمثل القطب السني بالعالم من جهة ، و جمهورية ايران الإسلامية ، أكبر قطب شيعي بالعالم.



من خلال المشاركة الفعالة في تمويل الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي ، نجحت الرياض في احتواء ومنافسة الحماسة الإسلامية الإيرانية في الأوساط السنية ، وفي تأكيد تحالفها مع واشنطن ، من خلال اقتران المصالح. لكن حرب الخليج كانت في طريقها إلى الضعف ، مما الزم النظام الإسلامي السني بضرورة ضمان أمنه من خلال دعوة المساعدات الغربية ،هكذا سمحت أرض الإسلام بتواجد مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين على أرض الأماكن المقدسة للإسلام . لأول مرة  ظهرت المؤسسة الدينية الوهابية ، وهي سلفية تعارض بشكل متزايد السياسة الرسمية التي تضفي الشرعية على وجود "الصليبيين" على أرضها المقدسة. وقد أضيف إلى هذه المعارضة "السلفية الفكرية" من الداخل شعور بالخيانة للحركة السلفية الجهادية العابرة للحدود.

"كانت هذه أكبر صدمة في حياته [بن لادن] ، لأنها كانت - حسب قوله - المرة الأولى منذ العصر الذهبي للنبوة (أي منذ ما يقرب من خمسة عشر قرنًا) أن الأشرار فرضوا هيمنتهم العسكرية على شبه الجزيرة العربية. كما أصيب بالصدمة لأن القوات الأمريكية لم تدخل نتيجة احتلال أو بدون علم القادة بإرادتهم الحرة ، ولكن بناءً على طلبهم الصريح ”.
حسين ف. الزرقاوي في كتابة "الجيل الثاني للقاعدة "، بيروت ، دار الخيال ، 2005 ص. 149.


باختيارهم إرسال أول رسالة لهم بعد 11 سبتمبر إلى قناة الجزيرة في اليوم الذي بدأ فيه الهجوم الأمريكي في أفغانستان ، قرا قادة القاعدة بيانهم بطريقة مُتقنة أمام الإعلام فيما يتعلق بالجمهور الذي يسعون إلى أسره ، لم يتردد الظواهري في ذكر الانتكاسة الكبرى التي عانت منها الولايات المتحدة في لبنان في الثمانينيات التي سببتها لهم المنظمة الشيعية التي ترعاها ايران و سوريا "حزب الله ". ولن يكون الوحيد الذي يقف عند هذه الحلقة. بعد الحادي عشر من سبتمبر ، نظر كبار المسؤولين الأمريكيين إلى انسحاب القوات متعددة الجنسيات من لبنان في عام 1984 على أنه خطأ إستراتيجي كبير فيما يتعلق بـ "الحرب ضد الإرهاب".

سابقًا ، ذكر الظواهري لبنان على أنه أول قضية عربية و "إسلامية" تسببت في هزيمة أميركية ، بينما ذكر بن لادن تفجيرات السيارات المفخخة التي حدثت ضد تمثيلات رسمية أو عسكرية أمريكية في الرياض في عام 1995 ، في الخبر عام 1996 ، في عدن عام 1992 ، وقبل كل شيء في بيروت، كانت أساليب حزب الله في الثمانينيات من القرن الماضي "مصدر إلهام" لقادة القاعدة ، ليس فقط من حيث الوسائل المستخدمة ، ولكن أيضًا من حيث الفعالية المزعومة للهجمات. في الواقع ، على الرغم من أنه لا يوجد بينهما أي "تواطؤ عملياتي" ونقاط تقارب قطاعية بين القاعدة وحزب الله ، ولكن في تحديهم لـ "النظام الأمريكي" في الشرق الأوسط، من المفهوم أن الطبيعة الجهادية أساسية بين الطرفين.

فيما بعد ، اعتبر العرب والمسلمون الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط من جنوب لبنان عام 2000 ، أول نجاح عسكري ضد جيش الدفاع الإسرائيلي ، ما أمكن لحزب الله بعد ذلك تعزيز "مكانته"، وكسب التعاطف الذي اكتسبه في هذه المنطقة (معظمها من السنة) ، اكتسب خطاب "حزب الله" حول فاعلية "العمليات الاستشهادية" والمضايقات العسكرية - التي روجت لها قناة المنار الفضائية - مصداقية وحماس الجماهير الإسلامية  في المنطقة.

 المواجهة العسكرية بين حزب الله مع جيش الدفاع الإسرائيلي والظهور الإعلامي الناجح لنصر الله عام 2006 ، على المنار والجزيرة - أثار قلق لقيادة القاعدة ، لم يقتصر الأمر على أنها وجدت نفسها "مهمشةً" على الساحة الجهادية العالمية ، ولكن أيضًا تبرأ منها على مستوى خطابها التكفيري بين "الجماهير الإسلامية" ، التي ظهر دعمها بوضوح لحزب الله.

ماذا بقي اليوم من الجهاد التنافسي ؟ 

اليوم، لدى إيران  تأثير أساسي على  لبنان من خلال جناحها "حزب الله" - بل إنها زادت بلا شك على حساب دمشق منذ انسحابها من لبنان في نيسان 2005 ، باتت قبضتها قوية ، صور الخميني وفيلق القدس في كل مكان ، ما يجعل الزائر يشعر أنه في طهران وليس في لبنان . ولكن مقابل هذه القبضة ، هناك  ضغط شعبي تواجهه الجمهورية الإسلامية انعكس على عملائها في المنطقة ، نتيجة تراكم الفساد وحرمان الإيرانيين من أبسط حقوقهم الطبيعية وهي : الحرية والخبز، ومع ممارسات القمع ومغامرات سلطة الملالي التي تجول الشرق الاوسط والعالم ، مُبددة الإقتصاد في سبيل تحقيق مشروعها الإسلامي، لا زالت ايران تُنازع وتُصارع  تداعيات العقوبات الأمريكية من أجل البقاء.
على الطرف المقابل ، أضحت السعودية هي الاخرى تُصارع من أجل البقاء والصمود أمام الخطر الأيراني المتمدد والعابث في المنطقة الإقليمية ، لا يوجد أفضل من الو.م.أ كحليف دائم لها مقابل الخروج من دائرة الدول الداعمة للإرهاب ، و القيام بالإصلاحات على مستوى الحقوق و التشريعات حسب شروط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تعتمد عليه في الرهانات المقبلة ، وهذا ما ابداه الأمير الشاب ، محمد ابن سلمان كإلتزام أمام نظيره.

الدور التركي بديل عن ارض الحرمين : 

وصول أردوغان ، تلميذ نجم الدين أربكان كأول قيادي لحزب اسلامي سياسي الى سدة الحكم ، هو أبرز حدث في تأريخ الحركات الإسلامية ، لاسيما في تاريخ العلمانية بالجمهورية الجديدة بعد تلاشي الإمبراطورية الإسلامية ، ما أعطى قوة دفع كبرى لتيارات الإسلام السياسي التي كان يعتبرها أردوغان "ضحية مُضطهدة" تحت حمايته - تنظيم الإخوان المسلمين الذي يُعتبر اليوم زعيمه القيادي - أردوغان رغم تناقضاته فهو يعبر عن بكل وضوح عن مبدا الغائية الذي يرتكز عليه الإسلام في الاساس.

هجومه المستمر على الغرب واتهاماته له المتكررة بالإسلاموفوبيا كسبب لمنع تركيا من الانضمام للإتحاد الأوروبي. هجومه على دولة إسرائيل في كل مناسبة وحديثه الفخري عن "تحرير الاقصى" ، وعن "أجداده "العثمانيين ، واستحضاره "لانتصاراتهم وفتوحاتهم" ، كما كان أيضا يهاجم بعض الأنظمة الإسلامية و يتهمها بـ "الطغيان" بخطاباته الشعبية، كلها  شعبوية ساهمت في تغذية عقول جماهيره العرب ، كونهم الفئة المستهدفة من هذه القضايا الحساسة .

كونه ينتمي إلى التيار الإسلامي ، في مخيلة أردوغان فكرة الخلافة الإسلامية و قبوله للقلب "الخليفة" و استرجاع "ارث" العثمانيين هي أهداف اسلامية شرعية تُحقق نبوة محمد ، يُصارح بها أنصاره في الداخل والخارج ، اعادة كاتدرائية آجيا صوفيا إلى وضعها الأول كمسجد أثناء الغزو الإسلامي العثماني ، هي خطوة ذات رمزية أثارت عواطق المسلمين العرب الذي استقبلوا الرسالة التي مفادها أن : الخلافة قادمة.

نفوذ أردوغان في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا ، ربما يتفوق على نفوذ ايران والسعودية . كمنافس ، هو يهدد مشروعها لأسباب كثيرة ولكن، من المؤكد أن مغامرات السلطان الفاتح الجديد بدأت تذهب بعيدا بطموحه ، لن تختلف نتائجها عن منافسيه ، الفساد و قمع الحريات والأزمة الاقتصادية المتراكمة نتيجة تكلفة حروب تركيا ومساعيها للوصول إلى النفط في قبرص واليونان وفي ليبيا، التي يبدو فيها ؛ أن حكومة الوفاق التي مهدت لأردوغان موطئ قدم بالمنطقة المتوسطية ؛ هي غير قادرة اليوم وعاجزة عن رفض الشروط والعروض التركية التي تريد الحصول على الحصة الأكبر من مشاريع إعادة الإعمار والصفقات التجارية، وترغب بالمشاركة في إدارة الحقول النفطية، بسبب الدعم العسكري والسياسي الذي تتلقاه منها .

كثير من المسلمين يتهافتون إلى تخدير الفشل الذي أصابهم في مقابل الاندماج مع التطور والعمل على تقديم المباردة الإنسانية ، ذهبوا بالقول أن المستقبل للإسلام بعد ظهور بوادر "نهاية" النظام العالمي. الواقع ، لا توجد بوادر''نهاية" للظام الدولي ولكن هنالك بوادر حتمية لاعتماد التقنية والعلوم في جميع مناحي الحياة بشكل أوسع ، وهذا ما يبقى بعيدًا عن متناول الحكومات الإسلامية.
الجهاد الإسلامي -الغزو المسلح-  كنهج أسسه محمد منذ بدء دعوته عمليًا في سبيل بناء امبراطورية اسلامية "توسعية "ترضخ تحت سلطة القانون الاوحد - الشريعة - ، هي فكرة رجعية ومتخلفة تجعلنا نتذكر فصول السيرة المحمدية : الغزو و السبي والغنائم، هذا هو طريق الإسلام منذ النشأة .

Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: