بعد مرو أزيد من قرنٍ من الزمان  ، لا يزال الأتراك ينكرون الإبادة الجماعية للأرمن واليونانيين ، الأشوريين (سريان و كلدان) ، وهذا ما يمثل الأيديولوجيا السائدة في تركيا ، مُفلتةً من التدقيق أو النقد العام. لماذا ا؟
أدت عملية غسيل الدماغ التي انتهجتها الحكومة، إلى خلق أجيال تنكر بشكل أعمى الإبادة الجماعية للأرمن و الأقليات الأخرى التي كانت تنتمي إلى الشعوب الأصلية  . الأتراك، من خلال وسائل مختلفة ، مثل النظام التعليمي ووسائل الإعلام ، تم تلقينهم كذبة أنه لا توجد إبادة جماعية أو عار أو ذنب يجب أن يخجلوا منه في  تاريخهم.
لكن في عصر التكنولوجيا ، حيث يُتاح الوصول الغير محدود إلى جميع أنواع المصادر على الإنترنت ، لماذا لا يزال إنكار الإبادة الجماعية شائعًا في تركيا؟

يعود الفضل في ذلك  إلى التلقين الإسلامي للجماهير التركية ، لا يُقدّر الإسلام حياة غير المسلمين بقدر ما يُثّمن حياة المسلمين. أربعة عشر قرناً من التاريخ الإسلامي ، والمجتمعات ذات الأغلبية المسلمة تُعاني عقدةً ازاء مبادئ المساواة القانونية أو الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين . عندما تعزز الحكومة تجريد غير المسلمين من الصفة الدينية أو القومية ، والذي يشمل ، في حالة تركيا ، الأرمن واليونانيين والآشوريين واليهود والأزيديين وغيرهم ، فإن إنكار الإبادة الجماعية أو المذابح ضدهم يتحول إلى مرض اجتماعي من الصعب للغاية ، إن لم يكن من المستحيل ، التغلب عليه.

اليوم ، 0.2٪ فقط من سكان تركيا مسيحيون أو يهود. لا يوجد سوى حوالي 2000 يوناني و 20000 آشوري (سريان وكلدان) و 60 ألف أرمني و 350 يزيدي و 15000 يهودي غادروا في تركيا ، وهي دولة يبلغ عدد سكانها الإجمالي حوالي 80 مليون نسمة.
لم يكن انخفاض عدد السكان غير المسلمين ناتجًا عن أسباب طبيعية ، ولكن كحصيلة التطهير الديني والثقافي الذي استهدف الأقليات الدينية في تركيا على مدى عقود من خلال أساليب مثل القتل والمذابح والطرد و التهجير القسري والمضايقات والضغوط الاجتماعية والاقتصادية المختلفة التي أجبرتهم في النهاية على مغادرة تركيا.

اليوم ، حينما يخاطب أردوغان أنصاره  الذين يهتفون للقومية الإسلامية ، قائلاً " نحن أمة ليس لها جيش ، ولكن كلنا جيش " ، بشكل مباشر ، هو يرسل رسالة إلى جميع المسلمين في العالم ، خاصة العرب  ممن يريد رؤية حلم التوسع الإسلامي يعود مجددا . أردغان يقدم نفسه كذلك كــ زعيم للأمة الإسلامية. اليوم ، هو ماضٍ كذلك مثل أجداده ، على طريق الهمجية كسلوك تقليدي في تاريخ العثمانيين؛ في استهداف المسيحيين والأكراد و الأزيديين في سوريا والعراق.
 فهل هناك مداعاة حقيقية للفخر بتاريخ جزّاري الأقليات بالأمس واليوم  ؟



كتائب خيل ثقيلة تهد الأرض هدًا، فوقها فرسان تمنطقوا بالسيوف، ورفعوا فوق أكتافهم البنادق. يطوفون بالقرى المسيحية تباعا، يدخلون الواحدة منها فلا يبرحونها إلا بعد أن تصير خرابًا حطامًا، لا يقوم فيها حجر فوق حجر، أو يعيش فيها جنس من بشر. 

هذه حكاية الخيالة الحميدية، الميليشيات شبه النظامية التي كونها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في تسعينيات القرن الـ19 لإبادة الأقليات المسيحية في شرق الأناضول من أرمن وآشوريين، وراح ضحيتهم نحو 300 ألف إنسان في الفترة المنحصرة بين عامي 1894 و1896. 

المجازر الحميدية 
كانت المسألة الدينية في شرق الأناضول منذ الربع الأخير في القرن الـ19، سببًا في تلك الأحداث الدموية التي اصطلح على تسميتها بالمجازر الحميدية نسبة للسلطان عبد الحميد، فخلال ذلك الوقت كانت الدول الأوروبية تضغط على العثمانيين كي يمنحوا الأقليات المسيحية في شرق الأناضول المزيد من الحريات الدينية والسياسية، بينما أظهرت روسيا القيصرية تحديدا رغبتها في التنسيق العسكري مع تلك الأقليات عندما تنفذ هجوما شاملا على تركيا. 
وأمام ذلك الوضع، قرر عبد الحميد الثاني أكثر السبل وحشية والتخلص من تلك المجموعات قبل أي هجوم روسي، واستخدم الخيالة الحميدية كي يخلي مسؤوليته عن المذابح ويظهرها أمام المجتمع الدولي كصراعات دينية محلية لا إبادة ممنهجة. 

الأرمن
كان الأرمن أكثر من اكتوى بنيران تلك الكتائب. ومن المعروف أن الوعي القومي الأرمني، والمناداة باستقلال الأرمن عن السلطنة العثمانية، قد ظهر منذ ستينيات القرن الـ 19، ثم تبلور بنشوء الأحزاب الأرمنية السياسية التي نظمت عمليات المطالبة بالاستقلال عن إسطنبول: حزب الأرميناجان في 1885، ثم حزب الهنشاك الاشتراكي الديموقراطي في 1887. وأخيرًا حزب الطاشناق الثوري في 1890. واستخدم كل من الهنشاك والطاشناق وسائل الإرهاب والمقاومة المسلحة للتخلص من الحكم العثماني، ما منح السلطان عبد الحميد مبرراً لذبح الأرمن في القرى الواقعة شرق الأناضول. 

في صيف 1891، ظهرت عصابات الخيالة الحميدية لأول مرة من عناصر غير تركية، مثل الأكراد والألبان والشراكسة، لتنفيذ هجمات واسعة على المساكن الأرمنية، كما تزايدت الضرائب على الأرمن الجبليين في ساسون، فقاموا بعصيان مسلح، وحين صدر في صالحهم العفو العام ظنوا أن الأمر انتهى، ولكن العفو كان مجرد خدعة، حيث تعرضت ساسون على أيدي الحميدية بين 15 أغسطس إلى 15 سبتمبر 1894 للنهب وإعدام الكثير من الأرمن دون مراعاة السن أو الجنس. 

الإدانات الأوروبية، لم تمنع عبد الحميد من مواصلة ذبح الأرمن، حيث استمرت المذابح منذ 13 أكتوبر 1894 حتى 30 نوفمبر 1895، عندما بدأت الخيالة الحميدية بأوامر من الأستانة بشن هجوم منظم على القرى والأحياء الأرمنية بمدن الولايات الست، بلغت ضراوتها بمدينة الرها يومي 28 و29 ديسمبر 1895، حين أباد الخيالة 3 آلاف أرمني حرقاً، واستمرت المذابح وعمليات السلب حتى يوليو 1896. 

عناصر من حزب الطاشناق، على سبيل الثأر، احتلوا البنك العثماني يوم 26 أغسطس 1896، ونجح القنصل الروسي ماكسيموف في عقد تسوية تم ترحيل المهاجمين للبنك على أثرها إلى مرسيليا. وقد تسببت فعلة الطاشناق الهوجاء تلك، في المصير المحزن للأرمن الذين ظلوا في تركيا، حيث بدأ عبد الحميد في الانتقام منهم بتشكيل عصابات جديدة، هذه المرة من مسلمي الباشبوزوق هاجمت الأرمن في إسطنبول. 

قوات الباشبوزوق دخلت العاصمة العثمانية للمساهمة في قتل الأرمن بالذبح أو الضرب حتى الموت. بينما تعرضت المحال الأرمينية للنهب في حي غلطة. ولم يكن الضحايا من الثوار أو الرأسماليين، بل كان معظمهم من العمال الفقراء المهاجرين إلى العاصمة من ولاية سيواس، حتى أن أحياء كاملة مثل حي قاسم باشا والحي اليهودي (خاصكوي) شهدت إبادة كامل الأرمن بها. 

بلغ ضحايا مذابح الأرمن بين 1894 و1896 على أيدي العصابات الحميدية من 100 إلى 150 ألفا، إما نتيجة مباشرة للقتل، أو نتيجة للجوع والتشريد والبرد والمرض. كما هاجر آلاف الأرمن إلى البلاد العربية وروسيا والبلقان وأوروبا وأمريكا، وانخفض عددهم إلى النصف في ولايات أرضروم ووان وبتليس.

الآشوريون
أما بالنسبة للآشوريين، فقد كانت أعدادهم تقدر في الدولة العثمانية قبيل اندلاع المجازر الحميدية بنحو مليون نسمة، تجمعوا في مناطق تمثل حالياً أجزاء من إيران والعراق وتركيا. وتركزوا تحديدًا بالقرب من بحيرة أرومية في بلاد فارس، وبحيرة وان (وتحديداً إقليم هكاري)، وفي الولايات العثمانية الشرقية كديار بكر وأرضروم وبدليس. 

وعندما بدأت آلة القتل الحميدية ضد الأرمن، وجدها السلطان العثماني فرصة ممتازة للتخلص من الآشوريين الأقوياء في جبال شرق الأناضول، فأوعز إلى عصاباته بالهجوم على القرى الآشورية، بحجة تعاون أهلها مع الروس أعداء السلطنة العثمانية. وبلغ الأمر مداه في جبل هكاري وديار بكر التي نال أشوريون فيها القدر الأكبر من المذابح، وهدم البيوت وحرق الكنائس حتى بلغ ضحاياهم نحو 150 ألف شخص من العام 1894 وحتى العام 1900. 


كاريكاتور في صحيفة فرنسية عقب المجازر؛ تصور السلطان عبد الحميد كجزار. 

وعلى الرغم من الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الثاني في انقلاب العام 1908 الذي قامت به تركيا الفتاة (جمعية الاتحاد والترقي)، فإن استخدام عصابات مسلحة للتخلص من المسيحيين في شرق الأناضول لم يتوقف على يد حكام تركيا العثمانية الجدد من تركيا الفتاة، إذ استخدموهم من جديد أثناء الحرب العالمية الأولى وعلى نطاق أوسع من عصر عبد الحميد نفسه، حيث كانت العصابات تعم جنبا إلى جنب مع قوات الجيش العثماني، وأفرز ذلك أكبر عملية إبادة عرقية عرفها التاريخ الحديث، بمقتل نحو مليون ونصف المليون أرمني في العام 1915، وكذلك مقتل نحو نصف المليون آشوري بين عامس 1914 و1920، إضافة إلى تهجير من بقي على قيد الحياة من تلك العناصر، وهو ما أفرز تركيا الحالية التي نعاصرها، وتخلو من عناصر مسيحية كانت قبل أكثر من قرن ملء السمع والبصر.

Author Image

Elina metovitch

ناقدة وباحثة في الإسلاميات، موتوا بغيظكم

أضف تعليق: